مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٥
منه و ذلك لأنا نعلم أنّه عليه السلام في قوله الحيض دم أسود لا يريد وضع لفظ الحيض لهذا المعنى و لا نقله من معناه اللّغوي إلى معنى آخر لأنّ الأحكام الواردة على الحائض التي اتّصفت بالحيض المعروف لغة و عرفا و ذلك كالحكم على سائر الحقائق اللّغوية كقولنا الماء مطهر و ماء الورد غير مطهّر و البول نجس و الدّم نجس انتهى مفتاح اعلم أنّ عبارات حملة اللّغة و المدوّنين لها و المؤلّفين فيها كالجوهري و الفيومي و الفيروزآبادي لا تخلو من أقسام ثلاثة الأوّل ما يبيّن المعنى الحقيقي و المجازي للفظ صريحا كما إذا قالوا لفظ الأسد حقيقة في الحيوان المفترس و مجاز في الرّجل الشّجاع الثّاني ما يبيّن ذلك على وجه الظّهور دون الصّراحة كما إذا قالوا هذا اللّفظ يفيد هذا و لا يفيد ذلك المعنى الثّالث ما لا يبيّن بنفسه أحد الأمرين مطلقا و يكون مجملا في الدّلالة على ذلك كما إذا قالوا لفظة افعل تأتي للوجوب و النّدب و الإباحة فإن كان الأوّل فلا إشكال في لزوم الأخذ بما يستفاد من عبائرهم حيثما لم يعارضها ما هو أقوى منها و كذا الكلام في الثاني و إن كان الثالث فاللاّزم التّوقف و عدم الحكم بالحقيقة و المجاز من جهة كلامهم فنطلب دليلا آخر عليهما و نلتمس حجّة أخرى للوصول إليهما و ذلك لأنّ الفرض أنّ كلامهم مجمل الدّلالة على أحد الأمرين و لا دليل على أنّ الأصل فيما يذكره اللّغوي كونه معنى حقيقيّا لا يقال يبعد أن نهيهم اللّغوي بذكر المعاني المجازيّة و يعتني بنقلها إذ لا فائدة فيه لأن المجاز لا يشترط فيه النقل عن أهل اللّسان بل يكتفي فيه بنفس العلاقة و ما شأنه ذلك لا يكون في نقله فائدة و لا كذلك الحقيقة لأنّه يشترط فيها النّقل عنهم فيكون في نقل اللّغوي إيّاها فائدة عظيمة لأنا نقول يدفع هذا أمران أحدهما أنّه لو كان بناء أصحاب الكتب اللّغويّة و المتصدّين لنقلها على مجرّد ذكر المعاني الحقيقيّة دون المجازيّة لاشتهر بين علماء الأصول و لنبّهوا عليه و لأخذوه أصلا كليّا و قانونا مرعيّا كما فعلوه في غيره من الأصول المقرّرة و الضّوابط المحرّرة و التالي باطل إذ لم نجد أحدا من المتقدّمين و المتأخرين أشار إليه بوجه من الوجوه بل صرّح المحقّق الثاني في جامع المقاصد و صاحب المدارك فيه و الوالد دام ظلّه في الروضة بخلافه ففي الأوّل أنّ كتب اللّغة تجمع بين الحقيقة و المجاز من غير تمييز غالبا ثم قال لأنّ رأيهم جمع المعاني التي استعمل فيها اللّفظ و لا يلتزمون الفرق بين الحقيقة و المجاز و في الثاني أنّ دأب أهل اللّغة جمع المعاني الّتي استعمل فيها اللّفظ سواء كانت حقيقيّة أم مجازيّة و في الثالث الصّلاة لغة الدّعاء و شرعا كعبارة المخصوصة كيفيتها المعهودة و عدّها جماعة من أهل اللّغة من جملة معانيها اللغويّة و في إثبات الحقيقة بذلك إشكال بل الظاهر العدم و ثانيهما أنّه لو صحّ ذلك البناء للزم الحكم باشتراك أكثر الألفاظ لأنّ الغالب أنّهم يذكرون للفظ معاني عديدة و للزم الحكم بكثرة النّقل لأنّ أكثر تلك المعاني معان مجازيّة في زماننا و بطلان اللاّزمين ظاهر و أمّا دعوى عدم الفائدة في ذكر المعاني المجازيّة في كتب اللّغة فمدفوعة أولا بأنّ عدم وجدان الفائدة لا يستلزم عدمها في الواقع و قد اشتهر بين العقلاء أنّ عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود و ثانيا بأنّه لا يبعد أن يدعى أن الفائدة في بيان موارد استعمال العرب رفع حاجة من يشترط النّقل في آحاد المجاز و من يحتاج إلى معرفة تلك الموارد إمّا لأولويّة الموافقة للعرب في استعمالاتهم و إن جاز الاكتفاء بمطلق العلاقة أو لأمر خارجيّ يتبع الحالات فإذن يكون كتبهم منهلا لكلّ الفرق و ما هذا إلاّ فائدة عظيمة و ثمرة جسيمة و علم أنّه قال بعض المحقّقين قد يشكل التمييز بين الحقيقة و المجاز من كتب اللّغة حيث إنّ الأكثرين خلطوا بين المعاني الحقيقيّة و المجازيّة بحيث يصعب الفرق بينهما غالبا إذ لم يصرّحوا بالاسم و لا بالحدّ و الخاصّة إلا نادرا لكن الظاهر أنّهم متى قالوا اسم لكذا فإنّما يعنون الحقيقة و إذا قالوا قد يقال لكذا و قد يطلق على كذا أو جاء أو يجيء لكذا فإنّما يعنون المجاز قال و قد ذكر بعض المحقّقين أنّ أوّل ما يذكرونه في العنوان مقدّما على غيره هو المعنى الحقيقي لبعد تقديم المجاز و كذا كون الجميع مجازات و هو قريب انتهى و لا يخلو عن قوة للبعدين المذكورين مع بعد عدم ظهور الحقيقة عندهم و كون المتقدّم مجازا شائعا و غير ذلك مفتاح إذا اتّفق إجماع الإماميّة على كون لفظ موضوعا لمعنى كما اتّفق في مسألة المشتقّ فإن جماعة ادّعوا الإجماع على كونه موضوعا للمعنى الأعم الشامل للحال و الماضي فهل يكون حجّة و إن وجد فرقة تخالفهم في ذلك أوّلا الظاهر الأوّل كما في الأحكام الشرعيّة و لذا عوّل المرتضى و ابن زهرة عليه في إثبات الحقيقة الشّرعيّة و وضع الأمر للوجوب في الشريعة و ذلك لكشفه عن قول المعصوم عليه السلام بأنّ ذلك اللّفظ موضوع لذلك و قوله عليه السلام حجّة سواء كان في الأحكام الشرعيّة أو غيرها لأنّ عصمته عليه السلام تمنع من الخطاء لا يقال تمنع من كشفه عن ذلك و إنّما يكشف عنه لو كان محلّ الإجماع ممّا يناط به و يرجع إليه كالأحكام الأصوليّة و الفروعيّة و أمّا إذا كان لا يناط به كالمسائل اللّغويّة فإنّ المناط فيها وضع الواضع فلا بل هم كسائر فرق المخالفين في هذا المقام و اتّفاقهم لا يكشف عن وضع الواضع فإن اتّفاق فرقة على أمر مع مخالفة الباقين لا يكشف عن قول من يعتبر قوله في الواقعة و ما اتّفاقهم في هذا المقام إلا كاتفاق جماعة من الفقهاء على