مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٤٩
تمكن الرّواة من تحصيل العلم بالأحكام الشّرعية دائما ممنوع خصوصا في مقام الشك في بقاء الأحكام الشرعية سلمنا و لكن لا يستحيل عقلا التكليف بالعمل بما لا يفيد العلم و إن تمكن منه ثم إن ما ذكر لو كان صحيحا لما صح الاستدلال على حجية ظن بظاهر كتاب و سنّة فلا يصح الاستدلال بآية النبإ على حجية خبر الواحد و ذلك خلاف طريقة علماء الإسلام من العامة و الخاصة كما لا يخفى و للآخرين أيضا وجوه منها ما أشار إليه في المعارج فقال احتج المانع أن ذلك عمل بغير دليل فيكون باطلا أما إنه حكم بلا دليل فلأن ثبوت الحكم بالدليل في وقت إذ في حال لا يتناول ما عدا تلك الحال و ذلك الزمان فلو حكم بذلك الحكم في الحال الثاني لكان حكما بغير دليل و أما أن الحكم بغير دليل باطل فبالاتفاق انتهى و قد تمسّك بهذه الحجة في الغنية و الذريعة فقالا المتعلق باستصحاب الحال يثبت الحكم عند التحقيق بغير دليل يوضح ذلك أنهم يقولون قد ثبت بالإجماع على من شرع في الصّلاة بالتيمم وجوب المضيء فيها قبل مشاهدة الماء فيجب أن يكون مع هذه الحال بعد المشاهدة له و هذا منهم جمع بين الحالتين في حكم من غير دليل اقتضى الجمع بينهما لأن اختلاف الحالتين لا شبهة فيه لأن المصلّي غير واجد للماء في أحدهما و واجد له في الأخرى فلا يجوز التسوية بينهما من غير دلالة فإذا كان الدّليل لا يتناول الحالة الأولى و كانت الحالة الأخرى عارية منه لم يجز أن يثبت فيها مثل الحكم انتهى و أجاب عن هذه الحجة في المعارج فقال الجواب أنّ قوله إن ذلك عمل بغير حجة لا نسلّمه لأن الدليل دلّ على أن الثابت لا يرتفع إلا برافع فإن كان التقدير تقدير عدمه كأن بقاء الثابت راجحا في اعتقاد المجتهد و العمل بالراجح لازم و في التهذيب و النهاية و المنية احتجّوا بأن التّسوية بين الوقتين في الحكم إن كان لاشتراكهما في المقتضي كان قياسا و إلا كان تسوية بينهما من غير دليل و هو باطل إجماعا و الجواب التسوية بما قلناه من الظن و صرّح بهذا الجواب في النهاية أيضا و منها ما أشار إليه في المعارج فقال احتج المانع بأنه لو كان الاستصحاب حجة لوجب فيمن علم زيدا في الدّار و لم يعلم خروجه أن يقطع ببقائه فيها و كذا كان يلزم إذا علم أن زيدا حيّ ثم انقضت مدّة و لم يعلم فيها موته أن يقطع ببقائه و كلّ ذلك باطل انتهى و قد أشار إلى هذه الحجّة في الذريعة فقال قد ثبت في العقول أن من شاهد زيدا في الدار ثم غاب عنه لم يحسن أن يعتقد استمرار كونه في الدّار إلا بدليل متجدد و لا يجوز استصحاب الحال الأولى و صار كونه في الدار في الثاني و قد زالت الرّؤية بمنزلة كون عمر و فيها و أجاب عن هذه الحجة في المعارج فقال الجواب نحن لا ندعي القطع و لكن ندعي رجحان الاعتقاد ببقائه و ذلك كفي في العمل به و منها ما أشار إليه في المعارج فقال استدل بعض الجمهور بأن العمل بالاستصحاب يلزم منه التناقض فيكون باطلا و ذلك أن الاستدلال به كما يصحّ أن يكون حجة للمستدل يصحّ مثله لخصمه فإنه إذا قال قبل وجود الماء للمصلّي المضي في صلاته فيثبت ذلك الحكم إذا أوجد الماء كان الثابت لخصمه أن يقول الثابت اشتغال ذمته بصلاة متيقنة فيجب أن يبقى الشغل أو يقول قبل الصّلاة لو وجد الماء لما جاز الدخول فيها بتيمّمه فكذلك بعد الدخول فيها و في المعتبر ليس استصحاب الحال حجة لكن شرعيتها بشرط عدم الماء لا يستلزم الشرعيّة معه ثم مثل هذا لا يستلزم الشرعية معه لا يسلم عن المعارضة بمثله لأنك تقول الذّمة مشغولة قبل الإتمام فتكون مشغولة بعده و أجاب عن هذه الحجة في المعارج فقال الجواب لا نسلّم ذلك إذ ليس كل موضع يستعمل فيه الاستصحاب يعرض فيه ذلك العرض و وجود التعارض في الأدلة المظنونة لا يوجب سقوطها حيث تسلم عن المعارض كما في أخبار الآحاد و القياس عند من يعمل بها و منها ما أشار إليه في النهاية فقال احتج الأوّلون بأنه لو كان الأصل في كلّ شيء استمرار و مد دوامه لكان حدوث جميع الحوادث على خلاف الدّليل المقتضي لاستمرار عدمها و هو خلاف الأصل ثم أجاب عنه كما في الإحكام فقالا الاعتراض عليه بأنا خالقنا الأصل في الحوادث لوجود السّبب الموجب للحدوث و نفي حكم الدليل مع وجوده المعارض أولى من إخراجه عن الدلالة و إبطاله بالكليّة مع ظهور دلالته و منها ما أشار إليه في النهاية أيضا فقال احتج الأوّلون بأن الإجماع منعقد على أن بيّنة الإثبات مقدمة على بيّنة النفي و لو كان الأصل في كل متحقق دوامه لكان بيّنة النفي مقدمة لاعتضادها بهذا الأصل ثم أجاب عنه كما في الإحكام فقالا الاعتراض عليه بأن تقدّم الشهادة المثبتة على النافية و إن كانت معتضدة بأصل براءة الذّمة فإنما كان الاطلاع المثبت على السبب الموجب المخالفة براءة الذّمة و عدم اطلاع النافي عليه لإمكان حدوثه حال غيبة النافي عن المنكر و تعذر صحبته له و اطلاعه على أحواله في سائر الأوقات انتهى و في شرح المختصر يمنع الملازمة و إنما تصح لو حصل الظن بهما و تأيد أحدهما بالاستصحاب و ليس كذلك و إن الظن لا يحصل إلا ببينة المثبت و ذلك لأنه يبعد غلطه بأن يظن المعدوم موجودا بخلاف النافي إذ لا يبعد غلطه في ظن الموجود معدوما بناءه على استصحاب البراءة و له وجوه آخر من الأولوية و هي أن المثبت يدعي العلم بالوجود و له طرق قطعية بخلاف النافي فإن طريقه و هو عدم العلم ظني و أن النفس إلى وقوع غير الملائم أميل منه إلى جلب الملائم و لذلك تدفع كلّ غير ملائم و لا يجلب كل ملائم فيكون إنكار الحق أكثر من دعوى الباطل و التجربة دالة على ذلك