مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٤١
حجية الاستصحاب و إن أراد أنهم يحكمون بذلك مع الظن بالبقاء فهو على تقدير تسليمه لا يجدي كما لا يخفى و إن أراد أنهم يحكمون ببقاء في الموضوعات الصرفة كما في حياة زيد المفقود و نحوها فلا نسلّم أنهم يحكمون بذلك من غير ظن بالبقاء و أما معه فلا يجدي كما لا يخفى سلمنا و لكن غاية ما ذكر ثبوت حجية الاستصحاب في الموضوعات الصرفة و هو غير محل البحث كما لا يخفى و منها ما تمسّك به في بعض شروح المنهاج فقال في مقام الاحتجاج على حجية الاستصحاب و أيضا الحكم بإبقاء الباقي يوجب تقليل العدم و القول بإثبات الحادث يوجب تكثيره و كلما يوجب تقليل العدم فهو راجح على ما يوجب تكثيره و إنما قلنا إن الحكم بإبقاء الباقي يوجب تقليل العدم و بإثبات الحادث تكثيره لأن الباقي إنما ينعدم بوجود المانع فقط و الحادث قد ينعدم بوجود المانع و انعدام الجزء من العلّة أو الجزء الأخير أو هذا الشرط إلى غير النهاية فيكون العمل بالباقي راجحا على العمل بالحادث و هو المراد بكون الاستصحاب حجة انتهى و في النهاية احتج الآخرون بأن ظن البقاء أغلب من ظن التغيير لأن الباقي لا يتوقف على أكثر من وجود الزمان المستقبل و مقارنة الباقي له و أما التغيير فيتوقف على وجود الزمان المستقبل و تبدل الوجود بالعدم أو بالعكس و مقارنة الوجود أو العدم بذلك الزّمان و المتوقف على شيئين أغلب مما يتوقف عليهما و على ثالث انتهى و قد استند في الإحكام إلى هذه الحجة لإثبات إفادة الاستصحاب الظن ثم قال في النهاية كما في الإحكام اعترض عليه بأنه لا نسلّم أن ظن البقاء أغلب من ظن التغيير و ما ذكرتموه من زيادة توقف التغيير على تبدل الوجود بالعدم أو بالعكس معارض بما يتوقف عليه البقاء من تجدد مثل السابق سلمنا أن ما يتوقف عليه التغيير أكثر لكن لا نسلّم أنه يدل على غلبة البقاء على التغيير لجواز أن تكون الأشياء المتعددة التي يتوقف عليها التغيير أغلب في الوجود من الأعداد القليلة الّتي يتوقف عليها البقاء أو مساوية لها و إن سلمنا أن البقاء أغلب من التغيير و لكن لا نسلّم كونه غالبا على الظن بل يجوز أن يكون الشّيء أغلب من غيره و إن غلب على الظن عدمه في نفسه سلمنا دلالة ذلك على الأغلبية لكن فيما هو قابل للبقاء أو فيما ليس قابلا الأوّل مسلّم و الثاني ممنوع فلم قلتم إن الأعراض الّتي وقع النزاع فيها قابلة للبقاء كيف و العلم غير قابل لما علم في الكلاميات ثم قالا و الجواب بأن الشيء إذا كان موقوفا على شيء واحد و الآخر على شيئين فما يتوقف على شيء واحد لا يتحقق عدمه إلا بتقدير عدم ذلك الشيء و ما يتوقف تحققه على أمرين يتم عدمه بعدم كلّ واحد من ذينك الأمرين و لا يخفى أن ما يقع عدمه على تقديرين يكون عدمه أغلب من عدم ما لا يتحقق عدمه إلا بتقدير واحد و ما كان عدمه أغلب كان تحققه أندر و بالعكس مقابله لا يقال عدم الواحد المعيّن إما أن يكون مساويا في الوقوع لعدم الواحد من الشيئين أو غالبا أو مغلوبا و لا يتحقق غلبة الظن فيما ذكرتموه بتقدير غلبة الواحد المعين و مساواته و إنما يتحقق ذلك بتقدير كونه مغلوبا و لا يخفى أن وقوع أحد الأمرين لا بعينه أغلب من وقوع الواحد المعين كما ذكرتموه لأنا نقول إذا نسبنا أحد الشيئين بعينه إلى ذلك الواحد المعين إما أن يكون عدمه أغلب من ذلك المعيّن أو مساويا له أو مغلوبا فإن كان الأول لزم ما ذكرنا و إن كان الثاني فكذلك أيضا لترجحه بضم عدم الوصف الأخير إليه و إن كان مغلوبا فنسبة الوصف الأخير لا يخلو من الأقسام الثلاثة و يترجح ما ذكرناه بتقديرين آخرين فيهما و إنما لا يترجح ما ذكرناه بتقدير أن يكون كلّ واحد من الوصفين مرجوحا فإذن ما ذكرناه يتم على تقديرات أربعة و لا يتم على تقدير واحد و لأن العاقل إذا عزّ له مقصودان متساويان و كانت المقدّمات الموصلة إلى أحدهما أكثر من مقدمات الآخر فإنه يبادر إلى الّذي مقدماته أقّل و لو لا أن ذلك أفضى إلى مقصوده و أغلب لما كان إقدامه عليه أغلب لخلوّه عن الفائدة المطلوبة من تصرفات العقلاء قولهم و إن كان البقاء أغلب من التغيير فلا يلزم أن يكون غالبا على الظن قلنا إذا كان البقاء أغلب من مقابله فهو أغلب على الظن منه و يجب المصير إليه نظرا إلى أن المجتهد مؤاخذ بما هو الأظهر عنده قولهم إنما يدل ما ذكرتموه على غلبة الظن فيما هو قابل للبقاء قلنا الاعتراض إن كانت باقية بأنفسها ممكنة البقاء بطريق التجدد كسواد الغراب و بياض الثلج و على كلّ تقدير فالكلام إنما هو واقع فيما هو ممكن التجدد من الأعراض لا فيما هو غير ممكن انتهى و منها ما تمسّك به في بعض شروح المنهاج فقال لو لم يكن الاستصحاب حجة لم يتقرر و أصل الدّين إنما يتقرر بالنبوة و النبوّة بالمعجزة و المعجزة فعل خارق للعادة فلو لا تقررت العادة على ما كان عليها لم تكن المعجزة خارقة لها لكن نحكم أن العادة تقرّرت كما هي حتى تكون المعجزة خارقة لها و هي عين الاستصحاب انتهى و في النهاية قبل القول بالاستصحاب أمر لا بد منه في الدّين و الشرع لافتقاره إلى الاعتراف بالنّبوة المتوقف على توسّط المعجزة و معناه ليس إلا فعل خارق للعادة و لا يحصل فعل خارق للعادة إلا أن تقرر العادة و لا معنى للعادة إلا أن العلم بوقوعه على وجه مخصوص في الحال يقتضي اعتقاد أنه لو وقع لما وقع إلا على ذلك الوجه و هو عين الاستصحاب و فيه نظر لأن المعجز ليس هو فعل خارق للعادة مطلقا بل ما يعجز البشر عن فعله و ليس ذلك من الاستصحاب انتهى و في غاية المأمول بعد الإشارة إلى الوجه المزبور و فيه نظر فإن كلامنا في بقاء الظن و استمراره و العادة توجب العلم باستمراره مثل ذلك لا ظنه