مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٣٧
المظنون البتة فكيف يحكم بعدم العقاب و الضّرر البتة مع أن العقل لا يرضى بترجيح المرجوح على الراجح فإذا كان الراجح عنده إن السّيد كلما أمر و كلّف كان راجحا البتة أنه أمر هكذا أو حكم بكذا فكيف يرضى بترجيح خلاف ذلك عليه و بالجملة لا نسلّم القطع في أمثال ما نحن فيه بل و لا الظن أيضا سلمنا لكنه ظن و بالجملة كون المدار في الفقه على الظن في أمثال زماننا من المسلمات عند الفقهاء و لذا عرّفوا الاجتهاد و المرادف للفقه بما عرفوا بل هو من البديهيات و المحسوسات حتى أن خبر الواحد الّذي هو العمدة في أساس الفقه نقل إجماع الشيعة على عدم حجيته بل و كون العدم من ضروريات مذهبهم بل من الشيعة من كان يستحيل التعبّد به و أهل السّنة في كتبهم الأصوليّة نسبوا المنع إلى الشيعة و تتبع كتب متكلمي الشيعة من قدمائهم يكشف عن صحة النسبة و أكثر فقهائنا القدماء كانوا كذلك و إن كان يظهر من كلام الشيخ خلاف ذلك و يظهر من بعض القدماء أيضا و ربّما يظهر أن محدثي الشيعة كانوا يرون الجواز و كيف كان لا يحصل اليقين بإجماعهم على الحجية و على تقدير التسليم كان مشربهم مختلفا في اعتبار ما هو الحجة فلا يظهر أن المجمع عليه يقينا أي شيء كان و أما الاختلالات و الاحتمالات المنافية للقطع الحاصلة بحسب المتن و الدلالة و التعارض فأكثر من أن يحصى نعم كثير من الظنون يحصل القطع بعدم جواز جعله حكما شرعيا كما أشرنا و منها ما يحصل القطع بكونه أجنبيّا و الحاصل أن الفقيه لا يخفى عليه الأمر بالنسبة إلى الظنون التي يحصل القطع أو الظن بعدم جعله مناطا للحكم و ربّما يحصل له الشك انتهى و في النّهاية احتج الآخرون بأن العلم يتحقق أمر في الحال يقتضي ظن بقائه في الاستقبال إلى أن قال و أما وجوب العمل بالظن فلقوله عليه السلام نحن نحكم بالظاهر و لأنه لو لم يجب لزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو بديهي البطلان و لأن العمل بالقياس و خبر الواحد و الفتوى و باقي الظنون المعتبرة شرعا إنما وجب ترجيحا للأقوى على الأضعف و هو قائم هذا خلف فيثبت الحكم و هو وجوب العمل به انتهى و هذه الحجة مما لا يجوز الاستناد إليها في أمر مخالف للأصل أما على القول بعدم أصالة حجية الظن فواضح لعدم قيام الدّليل القاطع على حجيّة هذا الظن بالخصوص و لذا قال في الوافية بعد الإشارة إلى الدليل المذكور و فيه أنه بناء على حجية مطلق الظن و هو عندنا غير ثابت و المسائل الّتي ذكروها ليس مما نحن فيه انتهى و في النهاية احتج القائلون بأنه ليس بحجة بوجوه إلى أن قال الخامس المعتبر في الأحكام الشرعية ليس مطلق الظن و إلا لكانت شهادة العبيد و الفساق و الصبيان مقبولة لحصول أصل الظن بل الظن الغالب و نحن نمنع أن أصالة البقاء يفيد غلبة الظن لأن الأصل عدم هذه الزيادة لغير ما ذكروا و اعترض بمنع اشتراط غلبة الظن بل أصل الظن كاف ورد الشهادة في الصور المذكورة لم يكن لعدم صلاحيتها بل لعدم اعتبارها في الشرع بخلاف ما نحن فيه من استصحاب الحال فإنه معتبر انتهى و أما على القول بأصالة حجيّة الظن كما هو التحقيق فللمنع من إفادة الاستصحاب الظن عادة خصوصا في نفس الأحكام الشرعية التي هي محل البحث و ذلك لأن مجرد ثبوت الحكم في الزمن الماضي ليس من لوازمه العقلية و لا العادية البقاء أبدا حتى يكون موجبا لإفادة الظن به حيث يحتمل ارتفاعه و بالجملة ا لاستصحاب ليس سببا للظنّ عادة كخبر العدول و الشهرة نعم قد يحصل الظن بالبقاء لكن باعتبار الأمور الخارجية من عادة و نحوها و ليس ذلك باعتبار نفس الاستصحاب و قد أشير إلى ما ذكر في جملة من الكتب ففي المشارق قال المحقق البهائي رحمه الله في الحبل المتين لا يخفى أن الظن الحاصل بالاستصحاب فيمن تيقن الطهارة و شكّ في الحدث لا يبقى على نهج واحد بل يضعف بطول المدّة شيئا فشيئا بل قد يزول الرجحان و يتساوى الطرفان بل ربما يصير الطرف الراجح مرجوحا كما إذا توضأ عند الصّبح مثلا و ذهل عن التحفظ ثم شك عند الغروب في صدور الحدث منه و لم يكن من عادته البقاء على الطهارة إلى ذلك الوقت و الحاصل أن المدار على الظن فما دام باقيا فالعمل عليه و إن ضعف انتهى كلامه و لا يخفى أن هذا إنما يصح لو بني المسألة على أن ما تيقن بحصوله في وقت و لم يعلم أو يظن طرو ما يزيله يحصل الظن ببقائه فالشّك في نقيضه لا يعارضه إذ الضعيف لا يعارض القوي لكن هذا البناء ضعيف جدا بل بنائها على الروايات المؤيدة بأصالة البراءة في بعض الصور و هي تشمل الشك و الظن معا فإخراج الظن عنه مما لا وجه له و في النهاية احتج القائلون بعدم حجية الاستصحاب بوجوه إلى أن قال السّادس ظن الاستمرار ثابت قبل الشروع أما بعده فلا لعدم الأمن من التغيير لجواز ورود الدّليل المغير فلا يبقى ظن الاستمرار حاصلا اعترض بأن ورود الشرع إذا لم نظفر بدليل يخالف الأصل بقي ذلك الأصل مغلبا على الظن نعم إنه قبل ورود الشرع أغلب على الظن لتيقن عدم المعارض فيه و بعد ورود الشرع يظن عدم المعارض و في الرسالة الاستصحابية أجيب بأن الظاهر البقاء ألا ترى أنا نسافر إلى بلد في ساحل البحر و لعله غرق و لا نسافر إلى بلد لعله وجدوا أنا في السفر نبلغ السّلام إلى من كان موجود أو نخاطبه ظانا بقاءه معتمدا عليه و لا نبلغ السّلام إلى من لم يكن موجودا باحتمال وجوده و هكذا الحال في جميع معاملاتنا فيحصل للمجتهد قياس هكذا هذا ما حصل به ظني فهو حجة الله يقينا في حقي و حق مقلدي و منع بعض من صغرى القياس بأنا نمنع حصول الظن إلا بالنسبة إلى الأمور القارة بالذات و القارة بقاؤه على حسب عادة الله تعالى لا مطلقا