مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٣٦
في الأحكام الشرعية بل بقاء الشرع الأنور إلى يوم القيامة و كوننا متشرعين به و من أمّته صلّى الله عليه و آله من بديهيات الدّين و ما أجمع عليه المسلمون و ظهر من التواتر و سدّ باب اليقين بتفاصيل تلك الأحكام قطعي وجداني لأن المعلوم بالضرورة أو الإجماع ليس أمرا إجماليا و هو قدر مشترك بين خصوصيات لا بدّ من اعتبارها حتى ينفع ذلك الإجمالي و يتعيّن ذلك المشترك بصيرورته حكم الشرع بالنسبة إلى أفعالنا مثلا نعلم أن الصّلاة واجبة علينا لكن معرفة كلّ واحد من أجزائها و شرائطها و مصححاتها و مبطلاتها و أحكام الشّك و السّهو و النسيان و غير ذلك مما لا تحصى كثرة و كتبها الفقهاء من أول كتاب الطّهارة إلى كتاب الصّلاة إنما يكون بأخبار الآحاد أو ظواهر القرآن أو الإجماع المنقول بخبر الواحد أو غيرها من الظنون و مع ذلك لا محيص عن العمل بخبر الواحد و ما ماثله من اعتبار أصل العدم و أصل البقاء و مثل أصالة عدم السّقط أو التبديل أو التحريف أو النقل أو غير ذلك من الظنون مثل قول اللّغوي أو الأمارات الظنية أو غيرها مما هو معلوم و بالجملة رفع اليد عن الظنون بالمرة يوجب رفع الشرع بالمرة و تحقق إجماع يقيني على اعتبار خصوص ظن يقينا اعتباره في تحقق الشرع لنا غير معلوم و مع ذلك مشاهد محسوس أن المدار الآن على الظّنون و البناء إنّما هو عليها حتى الّذي ينكر حجيّة كل ظن للمجتهد ليس مداره إلا عليه و إن كان ينكر باللسان و مما ذكرنا ظهر فساد ما أورد وحيد عصره على صاحب المعالم بأن انسداد باب العلم غالبا لا يوجب جواز العمل بالظن فكل حكم حصل العلم بالضّرورة أو الإجماع نحكم به و ما لم يحصل نحكم بأصالة البراءة لا لكونها مفيدة للظّن و لا للإجماع على وجوب التمسّك بها بل لأن العقل يحكم بأنه لا يثبت تكليف علينا إلاّ بالعلم أو الظن المعلوم الحجية ففيما انتفي الأمران يحكم العقل بعدم العقاب على تركه لا لأن الأصل المذكور يفيد ظنا حتى يعارض بالظن الحاصل من أخبار الآحاد بخلافها و يؤيّده ما ورد من النهي عن اتباع الظن انتهى ملخصا لما عرفت من أن الضّروري أو اليقيني أمر مجمل لا ينفع و لا يغني بل لو بنينا على القدر اليقيني و رفع اليد عما سواه بالبناء على أصالة البراءة لحصل فقه و شرع ينجزم الكفار بأنه ليس بشرع نبيّنا صلى الله عليه و آله فضلا عن المسلمين و يتيقن مجملا أن الشّرع بالنسبة إلينا غير مقصود على ذلك مضافا إلى الإجماع في اشتراكنا مع الحاضرين في التكاليف و اعتبار خصوصيات و أيضا أصالة البراءة إنما تسلّم فيما لم يثبت فيه تكليف إجمالي يقيني و أما مع الثبوت فلا بد من الامتثال و الإتيان بجميع المحتملات من باب المقدمة لأن العقل لا يرضى بالبراءة الاحتمالية و لا يكتفي في تحقق الإطاعة الواجبة بمجرّد احتمال الإتيان بما هو مطلوب فكيف يرضى بالبراءة الوهميّة أي الظاهر أن المطلوب ليس هذا لحصول الظّن له بكون المطلوب غيره أو زائدا عليه فالعقل يحكم بالعقاب على الترك لحكمه بوجوب الامتثال و توقف الامتثال على الفعل سلمنا لكن لا نسلّم حكمه على عدم العقاب سلمنا لكن لا نسلّم كونه على سبيل اليقين و التزام الإتيان بجميع المحتملات في جميع الأحكام يؤدي إلى الحرج المنفي بل ربما لا يمكن لتحقق العصيان من جهة أخرى أو لا يمكن الجمع مثل أن المال إما لزيد أو لعمرو و كذا الزوجة و أمثال ذلك و أيضا الفقه من كتاب الطهارة إلى الدّيات قطعيات إجمالية و ظنيات تفصيلية فلو لم يحكم بالظن فلا بد من أن يحكم بالوهم بأن الموهوم هو حكم الله تعالى يعني أن ما هو الظاهر أنه ليس حكم الله تعالى هو حكم الله تعالى لأن الظن إذا حصل يكون خلافه الوهم فلو لم يعتبر الظن لزم أن يعتبر الوهم بأن نقول إن هذا حكم الله تعالى مع أن الظاهر أنه ليس حكم الله تعالى و نلتزم العمل به مع أن الظاهر من الشّرع أنه لا يجوز العمل به و أنت لا ترضى بكون الظن حجة و جعله حكم الله تعالى الظاهري بل و العمل به لإلزامك العمل بالأصل فكيف ترضى بالوهم و إلى ما ذكرنا أشار العلامة رحمه الله في النهاية من أنه لو لم يجب العمل بالظن لزم ترجيح المرجوح على الرّاجح و هو بديهي البطلان و الجواب عن ذلك أن الأخباريين يوجبون العمل بالمقطوع به و إلا فالتوقف أو الاحتياط فيه ما فيه لانسداد باب القطع بالبديهة و الوجدان من جهة سند الأخبار و متنها و دلالتها و تعارض بعضها مع بعض آخر أو مع دليل آخر و عدم القطع بالعلاج إلى غير ذلك مما ذكرنا في رسالة الاجتهاد و الأخبار و أثبتنا فساد قولهم مشروحا و أنه شبهة في مقابلة البديهية و لو تيسر القطع لكان المجتهدون أيضا لا يجوزون العمل بالظن بل مع الظن الأقوى لا يجوّزون الظن الأضعف فضلا عن العلم و أيضا جريان أصالة البراءة في أصل العبادات محلّ نظر لأنها توقيفية موقوفة على النص و على تقدير تسليم الجريان فالقطع به محل نظر بل فاسد و أما المعاملات ففي كثير من المواضع لا يتأتى الأصل مثل كون المال لزيد أو عمرو و كذا الزوجة إلى غير ذلك مع أن صحة المعاملة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي و الأصل يقتضي عدم الصحّة حتى أن أصل البراءة أيضا مانع عن الصحّة فكيف يمكن التمسّك بها في المعاملات و الحكم بالصحة و أصالة البراءة إنما تنفع في غير ما أشرنا إليه مع أن غالب احتياج الناس إلى أمثال ما ذكرنا و أيضا أصل البراءة ظني كما اعترفت و قطع العقل بعدم العقاب محلّ تأمل و تشاجر بين العلماء و أقاموا على خلاف ذلك أدلّة خاصة من النقل بل و حكموا بالمنع عقلا أيضا و إن كان الظاهر خلاف ذلك لكنه ظاهر و ظن و إن كان قويّا سلمنا القطع فإنما نسلّم في موضع لم يتحقق الظن بالتكليف إذ العقل يحكم بوجوب رفع الضرر