مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٣٥
هؤلاء من جوّز به الترجيح لا غير و في شرح المختصر و أكثر الحنفية على بطلانه فلا يثبت به حكم شرعي للأولين وجوه منها ما ذكره في المعارج فقال لنا إن المقتضى للحكم الأول ثابت فيثبت الحكم و المعارض لا يصلح رافعا له فيجب الحكم بثبوته في الثاني إما أن مقتضى الحكم الأوّل ثابت فلأنا نتكلّم على هذا التقدير و أما أن العارض لا يصلح رافعا فلأن العارض إنما هو احتمال تجدد ما يوجب زوال الحكم لكن احتمال ذلك يعارضه احتمال عدمه فيكون كلّ واحد منهما مدفوعا بمقابله فيبقى الحكم الثابت سليما عن رافع انتهى و فيه نظر أما أولا فلما ذكره في غاية المراد فقال بعد الإشارة إليه فيه نظر فإنا لا نسلّم أن المقتضى للحكم الأول ثابت في الزّمن الثاني إذ عدم العلم بعدمه ليس علما بثبوته و هل هو إلا مصادرة على المطلوب انتهى و أما ثانيا فللمنع من صحّة الحكم ببقاء المقتضى و أثره مع الشك في وجود المانع لعدم الدّليل على ذلك بل لا يتم الدّليل إلا بعد العلم أو الظن المعتبر شرعا بفقد معارضه لأن شرطه عدم المعارض و مع الشّك فيه يحصل الشّك في المشروط فيلزم التوقف لا يقال الأصل عدم المعارض كما في كل حادث يشك في وجوده لأنا نقول هذا الأصل أحد أفراد الاستصحاب فلا يمكن التمسّك به هنا لبطلان الدّور و منها أن الاستصحاب مما يفيد الظن فيكون حجة أمّا المقدمة الأولى فقد صرّح بها في جملة من الكتب ففي التهذيب استصحاب الحال حجة لأن وجود الشيء في الحال يقتضي ظن وجوده في الاستقبال لقضاء العقل بذلك في أكثر الوقائع و في المنية احتج عليه بأن العلم بوجود الشيء الممكن بقائه في الحال يقتضي ظن وجوده في الاستقبال و كذا العلم بعدم الشيء و العمل بالظّن واجب و لا معنى لكونه واجبا إلا هذا القدر أما الأول فمعلوم لكلّ أحد بالوجدان و لا يزال العقل يقضي بذلك من غير ارتياب في أكثر الوقائع إذا لم يحصل له معارض و على ذلك مبنى أكثر مقاصد العقلاء في أمور معاشهم و أسفارهم كما هو الحال في التجار الّذين يجولون القفار و يتحملون الأخطار و المشاق بقطع المسافات البعيدة المعهود فيها بعض الأمتعة المطلوبة لهم كسفرهم إلى بلاد الهند لطلب الأدوية الحارة و سفر أهل البحر إلى البصرة و طلب التمر و ما فاك إلا لما عهدوه من وجود الأمتعة المذكورة في تلك المواضع و العلم بذلك ضروري و في الزبدة لنا ثبوت الحكم أو لا و عدم تحقق ما يزيله فيظن بقاؤه و لولاه لم يتقرّر المعجزة كما قاله البيضاوي و فيه ما فيه و لعد إرسال المكاتيب و الهدايا من البعيدة سفها و لكان الشّك في الزّوجية كالشّك في بقائها و في شرح المختصر لنا ما تحقق وجوده أو عدمه في حال و لم يظن طرو معارض يزيله فإنه يلزم ظن بقائه هذا أمر ضروري و لو لا حصول هذا الظن لما ساغ للعاقل مراسلة من فارقه و لا الاشتغال بما يستدعي زمانا من حراثة أو تجارة و لا إرسال الودائع و الهدايا من بلد إلى بلد و لا القراض و الدّيون و لو لا الظن لكان سفها و في بعض شروح المنهاج لنا أنه إذا علم وجود شيء و لم يعلم عدمه حصل الظن بثبوته و العمل بالظن واجب لما عرفت فالعمل بثبوته واجب و هو المراد من استصحاب الحال و في الإحكام أن ما تحقق وجوده أو عدمه في حالة من الأحوال فإنه يستلزم ظن بقائه لأن العقلاء و أهل العرف إذا تحققوا وجود شيء أو عدمه و له أحكام خاصّة به فإنّهم يسرعون إلى القضاء و الحكم بها في المستقبل من زمان ذلك الوجود أو العدم حتى أنهم يخيرون مراسلة من عرفوا وجوده قبل ذلك بمدّة متطاولة و إنفاذ الودائع إليه و يشهدون في الحالة الذّاهبة بالدّين على من أقر به قبل تلك الحالة و لو لا أن الأصل بقاء ما كان على ما كان لما ساغ لهم ذلك ثم قال فإن قيل ليس فيما ذكرتموه ما يدلّ على ظن البقاء بل إنما كان ذلك مجوّزا منهم لاحتمال إصابة الغرض فيما فعلوه و ذلك كاستحسان الذمي إلى الغرض لقصد الإصابة لاحتمال وقوعها و إن لم يكن الإصابة ظاهرة بل مرجوحة أو مساوية فالجواب أن الإقدام على الفعل لغرض موهوم غير ظاهر إنما يكون فيما لاحظر في فعله و لا مشقة كما ذكروه من المثال و أما ما يلزم الحظر و المشقة في فعله فلا بد و أن يكون بغرض ظاهر راجح على خطر ذلك الفعل و مشقته على ما يشهد به تصرفات العقلاء و أهل العرف من ركوب البحار و معلقاة المشاق من الأسفار فإنهم لا يركبون ذلك إلا مع ظهور المصلحة لهم في ذلك و من فعل ذلك لا مع ظهور المصلحة لهم في نظره عد سفيها مخطئا في عقله و ما وقع به الاستشهاد من تنفيذ الودائع و إرسال الرسل فكان الاستصحاب فيه ظاهر أو أما المقدمة الثانية فلأصالة حجيّة الظن و قد أشار إليها جدي قدس سره في الرّسالة الاستصحابية فقال في جملة كلام له و لا يخفى على المتتبع المتأمل أن فقهاءنا نراهم يعتمدون على ظنونهم في مقامات إثبات الأحكام أي ظن يكون و أي رجحان حصل لهم من دون أن يكون على حجية ذلك الظن إجماع قطعي أو آية أو حديث و من غير إشارة منهم إلى مأخذ حجية ذلك الرجحان نعم لا يعملون بالقياس و ما هو مثله مما ورد المنع عنه شرعا بخصوصه أو اتفقوا على عدم اعتباره مثل إثبات الحكم بالرمل و النّجوم و أمثالهما مع أنا نعرف يقينا أن الطريقة المعهودة بين الشيعة عدم أخذ الحكم الشرعي من أمثال هذه الظنون و أنها أجنبية بالنسبة إلى الشرع بخلاف الاستصحاب لما عرفت و احتج صاحب المعالم و غيره على حجية أخبار الآحاد من أن باب القطع في غير الضروريات مسند و الطريق منحصر في الظن فلا بدّ من كونه حجة إلى آخر ما ذكره و حاصله أن الإجماع واقع على مشاركتنا مع الحاضرين