مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٠٧
الآية على تناول صورة النزاع لوجب التقليد و هو منفي إجماعا ثم قال و فيه نظر لأنا نمنع الإجماع على عدم وجوب التقليد مع عدم التمكن من الاجتهاد لضيق الوقت أو لغيره من الأعذار انتهى و في هذا الجواب نظر لما تقدم و منها ما أشار إليه في الإحكام فقال الجواب أن المراد بأولي الأمر الولاة بالنسبة إلى الرعية و المجتهدين بالنسبة إلى العوام بدليل أنه أوجب الطاعة لهم و اتباع المجتهد للمجتهد و إن جاز عند الخصوم فغير واجب بالإجماع فلا يكون داخلا تحت عموم الآية الشريفة انتهى و قد يجاب أيضا عن هذه الحجة بالمنع من كون تقليد المجتهد طاعة له فلا يشمله الآية الشريفة سلمنا و لكن لا نسلم شمول أولي الأمر للمجتهدين لأن المتبادر منه عرفا السلطان العادل خصوصا في سياق الآية الشريفة و لأن إرادة المعنى اللغوي موجب لتخصيص العام إلى الأقل من النّصف و هو باطل فيعين أن يكون المراد من ذكر و ليس هو إلاّ الإمام المعصوم عليه السلام و من الظاهر أن العمل بقوله عليه السلام ليس تقليدا بل هو عندنا كالعمل بقول النبي صلى اللَّه عليه و آله سلمنا و لكن عموم الآية الشريفة معارض بالعمومات المانعة عن العمل بغير العلم من الكتاب و السّنة و التعارض بينهما من قبيل تعارض العمومين من وجه و من الظاهر أن الترجيح مع العمومات و لئن تنزلنا فلا أقل من التوقف و معه يسقط الحجة المذكورة كما يخفى و منها ما أشار إليه في النهاية أيضا فقال احتج المخالف بقوله تعالى فلو لا نفر الآية أوجب الحذر عند إنذار الفقيه مطلقا فيتناول العالم كالعامي انتهى و فيه نظر و أجاب عن ذلك في الكتاب المذكور فقال الجواب أن الآية دالة على وجوب الحذر عند إنذاره لا عند كل إنذار و نحن نقول بالأول فإنا نوجب العمل بروايته ثم قال و فيه نظر لأن الإنذار عقيب التفقه إنما يفهم منه الإفتاء و منها ما أشار إليه في النهاية أيضا فقال احتج المخالف بأنه حكم يسوغ فيه الاجتهاد فجاز لغير العالم كالعامي بجامع وجوب العمل بالظن المستند إلى قول الغير انتهى و ضعف هذه الحجة ظاهر و أجاب عنها في النهاية فقال الجواب بالفرق فإن العامي عاجز فجاز له التقليد بخلاف العالم و منها ما أشار إليه في النهاية أيضا فقال احتج المخالف بالإجماع على قبول خبر الواحد عن المجتهد بل عن العامي و وجوب عمل المجتهد اعتمادا على عقله و دينه و هنا قد أخبر المجتهد عن منتهى اجتهاده بعد بذل الجهد فجواز العمل به أولى ثم أجاب عن هذا الحجة فقال الجواب أن المفتي ربما بنى اجتهاده على خبر الواحد فإذا تمسّك به المجتهد أولا كان فيه الغلط أقل مما إذا قلّد غيره ثم قال و فيه نظر إذ قد يكون اجتهاد المفتي أقوى من اجتهاده أو مساويا أو أضعف انتهى و منها ما أشار إليه في النهاية أيضا فقال احتج المخالف بأنه إذا ظن المجتهد العمل بفتوى مجتهد آخر فقد ظنّ أن حكم الله تعالى ذلك فيحصل ظن العقاب بترك العمل فيجب العمل دفعا للضرر المظنون انتهى و هذه الحجة في غاية الضعف و أجاب عنها في النهاية و الأحكام ففي الأول الجواب أن مجرد الظن يجب العمل به إذا لم يصرفنا عنه دليل سمعي و ما ذكرناه من الأدلة السّمعية توجب العدول عنه و في الثاني الجواب عن المعقول أنه لو اجتهد و أداه اجتهاده إلى حكم لم يجز له تقليد غيره في خلاف ما أدّى إليه اجتهاده إجماعا فلو جاز له التقليد مع عدم الاجتهاد لكان ذلك بدلا من اجتهاده و البدل دون المبدل و الأصل أن لا يجوز العدول إلى البدل مع إمكان تحصيل المبدل مبالغة في تحصيل الزيادة من مقصوده اللهم إلا أن يرد نصّ بالتخيير يوجب إلغاء الزيادة من مقصود المبدل أو نصّ بأنه يدل عند العدم لا عند الوجود كما في بنت مخاض و ابن لبون عن خمس و عشرين من الإبل فإن وجود بنت مخاض يمنع من أداء ابن لبون و لا يمنع ذلك عند عدمها و الأصل عدم ذلك النصّ كيف و أن ما ذكره معارض بقوله تعالى و ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله و قوله تعالى و اتبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم و قوله تعالى و لا تقف ما ليس لك به علم و بقوله عليه السلام اجتهدوا فكل ميسّر لما خلق له و تقليد العالم للعالم يلزم منه ترك الاعتبار و ترك العمل بحكم الله تعالى و رسوله صلى اللَّه عليه و آله و ترك ما أنزل و اقتفاء ما لا علم به و ترك الاجتهاد المأمور به و هو خلاف ظاهر النّص و إذا تعارضت الأدلة سلم لنا ما ذكرناه أولا انتهى و منها الاستصحاب و تقريره هنا أن الم جتهد المفروض قبل بلوغه مرتبة الاجتهاد كان مقلدا لغيره في المسألة التي لم يجتهد فيها و في المسألة الّتي اجتهد فيها و كان ممن يجوز له العمل بقوله غيره فيهما و إذا بلغ تلك المرتبة حرم عليه التقليد في المسألة التي اجتهد فيها و بطل حكم الاستصحاب بالنسبة إلى هذه المسألة بالدليل الأقوى و أما المسألة التي لم يجتهد فيها فلا دليل على حرمة التقليد و لزوم العمل بقول الغير و ترك ما كان عليه سابقا فيها فيجب البقاء على ما كان عليه من التقليد و العمل بقول الغير عملا باستصحاب ما ثبت له أولا و لا معارض له هنا لا من كتاب لعدم دلالة شيء منه على وجوب الاجتهاد في المسألة المفروضة و ما استدل الخصم به منه ضعيف كما عرفت و لا من سنة لعدم دلالة رواية معتبرة بل مطلقا على ذلك كما لا يخفى و لا من إجماع فإن المسألة خلافية و لا من دليل العقل و ما تمسّك الخصم به منه ضعيف لا ينهض حجة كما بيّناه نعم الأصل عدم جواز التقليد و لكنه قد ارتفع بعد اختياره التقليد و جوازه له قبل الاجتهاد فيجب التمسّك بالاستصحاب و هو أقوى من الأصل المذكور كما لا يخفى لا يقال لا نسلم عدم المعارض فإن الظاهر اتفاق الشيعة الاثني عشرية على عدم جواز التقليد للمجتهد المفروض لأن جماعة منهم تقدم إليهم الإشارة صرّحوا بذلك من غير تأمّل و لا ريبة و لا نقل خلاف عن أحد منهم و ذلك يدل على ما ذكر خصوصا مع عدم وجود الخلاف و مخالفة جماعة من العامة بل جميعهم غير