مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٠٥
و فيه نظر للمنع من المتقدمتين أما الأولى فلأنه قد يحصل الظن الأقوى بالحكم الشرعي من فتوى الغير بل قد لا يحصل له ظن به بمجرد نظره و اجتهاده لا يقال إذا علم أنّه يحصل له الظن الأقوى من اجتهاده في بعض الموارد وجب عليه تحصيله و إذا وجب تحصيل الظن هنا وجب مطلقا إذ لا قائل بالفرق من هذه الجهة لأنا نقول يعارض هذا بمثله فيقال إذا علم أنه يحصل الظن الأقوى من فتوى الغير في بعض الموارد وجب التقليد و إذا وجب العمل به هنا وجب مطلقا إذ لا قائل الفصل من هذه الجهة و هذا أولى بالترجيح و فيه نظر لأنّه لا قائل بوجوب التقليد على المجتهد المفروض في الصورة المفروضة فلا تصح المعارضة إلا أن يقال يجوز التقليد في الصّورة المفروضة فيجوز مطلقا إذ لا قائل بالفصل من هذه الجهة و لا يمكن إبطال جواز التقليد في الصّورة المفروضة بالإجماع لوجود القائل به نعم قد يبطل بعدم الدليل عليه بالخصوص إذ ما دل عليه يدلّ على وجوبه و قد بيّنا بطلانه من جهة الدلالة على الوجوب فلا يكون دالا على أصل الجواز إلا على القول بأنه إذا نسخ الوجوب يبقى الجواز و لكنه محلّ إشكال فتأمل و أما الثّانية فلأن العمل بأقوى الظنين إنما يجب بعد تحققهما و لذا يجب على المجتهد بعد اجتهاده العمل بظنه و ترك التقليد و ليس هذا من محل البحث لأن الظن الأقوى لم يكن حاصلا نعم يقدر على تحصيله و لا نسلم وجوب تحصيل الظن الأقوى مع وجود الأضعف كيف و قد جوّز الشّارع في مقامات كثيرة العمل بغير العلم و ترك تحصيله مع التمكن منه بأسهل الوجوه فتدبّر و منها ما تمسّك به في المبادي و النهاية فقال لنا إنه مأمور بالاجتهاد و الاعتبار و لو لم يأت به فيكون عاصيا و مأثوما انتهى و فيه نظر واضح و منها ما تمسّك به العضدي في شرح المختصر فقال لنا أيضا أن التقليد بدل الاجتهاد جوز ضرورة أن لا يمكنه الاجتهاد و لا يجوز الأخذ بالبدل مع التمكن من المبدل كالوضوء و التيمم و كالقبلة مع جهة الاجتهاد انتهى و فيه نظر لأنا لا نسلم أنه بدل لعدم الدليل عليه كما أشار إليه فقال بعد ما ذكر و قد يقال ممنوع أنه بدل بل مخير بينهما عندنا انتهى سلمنا أنه بدل و لكن نمنع أصالة عدم جواز الإتيان بالبدل مع التمكن من البدل و ما الدّليل عليها و قد وقع خلافه فإن الواجب المخير بدل عن مثله و لذا عرف الواجب بأنه ما يذم تاركه لا إلى بدل مع أنه يجوز الإتيان به مع التمكن من مثله و منها ما تمسّك به في النهاية فقال لأنه يتمكن من الوصول بفكره إلى حكم المسألة فيحرم عليه التقليد كما في مسائل الأصول و الجامع مع وجوب الاحتراز عن الخطاء المحتمل عند القدرة على الاحتراز عنه انتهى و اعترض عليه في الإحكام فقال بعد نقله عن المانعين المتمسكين به لقائل أن يقول إنما لم يجز في العقليات ضرورة أن المطلوب فيها هو العلم و هذا غير حاصل بالتقليد بخلاف مسائل الاجتهاد فإن المطلوب فيها هو الظن و هو حاصل بالتقليد فافترقا انتهى و أجاب عن هذا الاعتراض في النهاية فقال لا يقال المعتبر في الأصول العلم و لا يحصل بالتقليد بخلاف الفروع المعتبر فيها الظن و يمكن حصوله بالتقليد و لهذا حرم على العامي التقليد في الأصول دون الفروع و ينتقض ما ذكرتموه بقضاء القاضي حيث يحرم مخالفته و إن تمكن من معرفة الحكم فإنه لا معنى للتقليد سوى وجوب العمل من غير حجّة و ينتقض بالقريب من الرّسول صلّى الله عليه و آله فإنه يجوز أن يسأل الواسطة مع تمكنه من سؤاله صلى اللَّه عليه و آله لأنا نجيب عن الأول بأنا إنما أوجبنا على المكلّف تحصيل اليقين لقدرته و الدّليل حاضر فوجب عليه تحصيله حذرا من الخطاء المحتمل و هذا المعنى حاصل في مسألتنا للمكلّف و الدّليل المبيّن للظّن الأقوى حاصل فوجب عليه تحصيله احترازا عن الخطاء المحتمل في الظن الضّعيف و عن الثاني أن الدليل لما دلّ على عدم فسخ قضاء القاضي بالاجتهاد لم يكن العمل به تقليدا بل لذلك الدليل و عن الثالث بمنع الاكتفاء بسؤال الواسطة مع القدرة على سؤال الرّسول صلى اللَّه عليه و آله انتهى و الحق عندي ضعيف الحجة المزبورة و ما ذكره في النهاية لا ينهض لتصحيحها كما لا يخفى و منها ما أشار إليه في الإحكام فقال احتج المانع بأنه لو كان قد اجتهد و أداه اجتهاده إلى حكم من الأحكام لم يجز له تقليد غيره و ترك ما أدّى إليه اجتهاده فكذا لا يجوز له تقليده قبل الاجتهاد لإمكان أن يؤدّيه اجتهاد إلى خلاف رأي من قلده انتهى و هذه الحجة في غاية الضعف كما لا يخفى و أجاب عنها في الإحكام فقال بعد الإشارة إليها لقائل أن يقول إنه إذا اجتهد و ادعى اجتهاده إلى حكم من الأحكام فوثوقه به أتم من وثوقه بما يقلّد فيه الغير لأنه مع مساواة اجتهاده لاجتهاد الغير يحتمل أن لا يكون الغير صادقا فيما أخبر به عن اجتهاده و المقلّد فلا يكابر نفسه فيما أدى إليه اجتهاده و قبل أن يجتهد لم يحصل له الوثوق بحكم ما فلا يلزم من امتناع التقليد مع الاجتهاد امتناعه مع عدمه انتهى و أشار إلى هذا الجواب العضدي في شرح المختصر و منها ما أشار إليه في الأحكام أيضا فقال احتج المخالف بأنه لو جاز لغير الصّحابي تقليد الصحابي مع تمكنّه من الاجتهاد لجاز لبعض الصّحابة من المجتهدين أن يقلّد البعض و لو جاز ذلك لما كان لمناظراتهم فيما وقع بينهم من المسائل الخلافية معنى انتهى و ضعف هذه الحجة في غاية الظهور و أجاب عنها في الإحكام فقال بعد الإشارة إليها لقائل أن يقول إن من المخالفين في هذه المسألة من يجوز تقليد الصّحابة بعضهم لبعض إذا كان المقلّد أعلم مما سبق في تفصيل المذاهب و بتقدير التسليم فلا يخفى أن الوثوق باجتهاد الصحابي لمشاهدة الوحي و التنزيل و معرفة التأويل و الاطلاع على أحوال النّبي صلى اللَّه عليه و آله و زيادة اختصاص الصّحابة بالتشديد في البحث عن قواعد الدين و تأسيس الشريعة و عدم تسامحهم فيها أشد من غيرهم على ما قال صلّى الله عليه و آله خير القرون القرن الّذي