مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٥٩٣
هدم فروع الدّين رأسا فينحصر الدّين بالأصول و هذا باطل بالضرورة و من ادعاه فقد أنكر ضروري الدين و أي ضروري فيكون كافرا بناء على ما قالوه من أن منكر ضروري الدّين كافر ثم لو سلمنا إمكان حصول العلم بكيفية عبادة خاصة أو معاملة خاصة فنقول إن ذلك في غاية القلّة و النّدرة ففي الاقتصار عليه خروج عن الدّين أيضا فإن قلت قد ثبت بالأدلة الكلامية و البراهين العقلية اشتراط التكاليف بالعلم و حيث لا يحصل العلم لا يكون مكلّفا لفقد شرطه و هو العلم و لذا يحكمون برفع التكليف عمن لم يسمع صيت الإسلام و لا خطر بخاطره فلم لا يجوز أن يكون الناس بأسرهم كهذا مع اشتراكهم في فقد شرط التكليف قلنا هذا باط ل لأنا لما علمنا بالضّرورة ثبوت التكليف بفروع الشريعة و علمنا بأن الوصول إلى الواقع أمر غير ممكن لزمنا أن نقول بأن التكليف بالفروع منوط بأسباب شرعية حيث لا يحصل العلم بالواقع و هي التقليد بالنسبة إلى العامي و الاجتهاد بالنسبة إلى المجتهد فتكليفنا بالتقليد و الاجتهاد ليس مفقود الشرط و هو العلم بل شرطه موجود و الفرق بين سائر الناس الذين انقادوا إلى الإسلام و عرفوا أن فيه فروعا و أصولا و علموا بجملة من مسائل الأصول و أن فروع الدّين باق إلى يوم القيامة و بين من لم يسمع صيت الإسلام أمر واضح لا يحتاج إلى بيان و لا تتوهمون أن أحدا من الشيعة الإمامية يعمل بغير علم و يسلك مسلكا بغير بصيرة و يقين بل الكل معترفون بأن البناء في الدين لا بد أن يكون على وجه القطع و اليقين و الذين يعملون بالظن أو غيره مما لا يفيد العلم يعتقدون أن الشارع أوجب العمل به كما أوجب العمل بظاهر يد المسلم و بالظن في الصّلاة و بأصالة طهارة الأشياء و بشهادة العدلين و من الظاهر أن التكليف بهذه الأشياء منوط بالعلم و ليس العمل بها عملا بما لا يعلم فما دل من الكتاب و السّنة و العقل على نهي العمل بغير العلم لا يشمل محلّ البحث لأنه عمل مستند إلى العلم فمورد ذلك ما لا يفيد العلم الّذي لم يقم دليل علمي على اعتباره و لو بوسائط فمن ادعى أن العمل بغير العلم قبيح إن أراد هذا فهو حق لا ريب فيه و إن أراد أن العقل يحكم بقبح التكليف بما لا يفيد العلم بالواقع فلا ريب في كذب دعواه فإن عادة العقلاء قد جرت بالاعتماد على أمور لا تفيد العلم بالواقع كالمكاتب و الأخبار و الأمارات فكيف يكون ذلك قبيحا و لا استبعاد في أن يكون الشيء حسنا في حالة و قبيحا في أخرى فإن الصدق حسن إذا كان نافعا و قبيح إذا كان ضارا و لا يلزم أن يكون الفعل المتصف بالقبح باعتبار قبيحا من جميع الجهات و كذا الفعل المتّصف بالحسن نعم قد يتحقق فعل قبيح يكون قبحه ثابتا مطلقا كالظلم و قد يتحقق فعل حسن يكون حسنه ثابتا مطلقا كالإيمان و لكن لا ينحصر الفعل الاختياري في هذين بل ينقسم إلى أقسام ثلاثة و منها ما بيّناه أولا و منه الفعل بغير العلم فإنه قد يكون قبيحا باعتبار و حسنا باعتبار آخر فالتقليد و العمل بالظن ينقسم إلى قسمين و لا ينحصران في قسم واحد كما لا يخفى و احفظ ما قلته فإنه ينفعك كثيرا إن شاء الله تعالى و أمّا دعوى وجوب العمل بالاحتياط فيما لا يعلم بحكمه بعد تسليم انسداد باب العلم في معظم الأحكام الشّرعية الفرعية فلأنه لا يجب ذلك على المجتهد الّذي انسدّ عليه باب العلم بها و هو مستلزم لعدم وجوب ذلك على العامي بطريق أولى للاشتراك في الوجوه التي تدلّ على عدم وجوب ذلك على المجتهد فكلّ مكلّف سواء كان مجتهد أو عاميّا لا يجب عليه العمل بالاحتياط في جميع ما لا يعلم بحكمه بعد فرض انسداد باب العلم بمعظم الأحكام الشّرعية عليه خصوصا إذا حصل الظن بالخلاف و أمكن اعتباره و ذلك لوجوه أشرنا إليها في مقام آخر و احتمال وجوب الاجتهاد عليه بطريق ما حكي عن فقهاء حلب بعد تسليم تعذّر العلم بالأحكام الشرعية الفرعية بالنسبة إليه و لو بطريق الاحتياط فلأن الاجتهاد له متعسّر بل متعذر مطلقا و لو فسّرناه بما حكي عن فقهاء حلب كما صرّح به الجماعة المتقدم إليهم الإشارة و الضرورة يحكم به كيف لا و الحال أنا نرى أن جماعة من الأزكياء العلماء يتعبون أنفسهم و يبذلون جهدهم سنين كثيرة لتحصيل أدنى مرتبة الاجتهاد و لا يحصّلونه مع تفريغهم عن كل شغل يمنع منه فكيف بالعوام الذين ليس لهم حظّ من العلم كأهل السّوق و الأكراد و الأعراب و أهل البوادي و القرى و النساء و العبيد و الجواري و حديثي التكليف مع كثرة مشاغلهم و شدّة حاجتهم إلى نظم أمر المعاش و كيف يمكن دعوى فهمهم معنى الإجماع و تحققه و فهمهم أن الأصل في المنافع الإباحة و في المضار الحرمة و فهمهم النصوص الظاهرة و اطلاعهم عليها مع أن جميع ذلك قد صار مطارح أفهام الأذكياء و محلّ أنظار العلماء و لو قيل إنهم يراجعون العلماء في فهم ما ذكر و يتبعونهم فيه قلنا هذا على تقدير إمكانه فهو عين التقليد لكنه تقليد في الدليل و هو مستلزم للتقليد في الحكم بأسوإ حال و لعله لذا قال في الذكرى بعد الإشارة إلى قول فقهاء حلب و ما ذكروه لا يخرج عن التقليد عند التحقيق و خصوصا عند من اعتبر حجية خبر الواحد لأن للبحث فيه عرضا عريضا انتهى و بالجملة كون الاجتهاد مطلقا أمرا متعسرا بل متعذرا أمر بديهي لا يحتاج إلى بيان و لا يفتقر إلى حجّة و برهان هذا و تؤيد الحجة على إبطال قول فقهاء حلب فنقول يدل على ذلك مضافا إلى ما ذكر أمران أحدهما أنه لو وجب على العامي الاجتهاد بالنحو الذي حكي عنهم للزم تطرق الفساد العظيم و وقوع الخلل الجسيم و الهرج و المرج