مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٥٩١
في الدليل المثبت للحكم لإفضاء ذلك إلى تعطيل المعاش و الاشتغال بالفكر في فروع المسائل من مصالح العباد و هو يستلزم خراب الدنيا و فساد الحرث و النسل و ذلك من أعظم الحرج المنفي بقوله تعالى ما جعل عليكم في الدين من جرح و قوله عليه السلام لا ضرر و لا ضار في الإسلام و لا يكفي التمسك بالبراءة الأصلية إجماعا ثم قال أيضا لو لزمه الاستدلال لم يكن حال كمال عقله لوجهين أحدهما أن الصّحابة لم يلوموا تاركي طلب العلم و لم يطلبوا رتبة المجتهد في أول كمال عقلهم الثاني يمنعه ذلك من الاشتغال بأمور الدنيا كما بتنا و لا حال حدوث الواقعة و إلا لوجه عليه صفة المجتهدين عند نزول الحادثة و هو غير مقدور و في المنية إن الغلط إذا نزلت به الحادثة من الفروع فإما أن لا يكون مأمورا فيها بشيء و هو باطل إجماعا لأن الناس بين قائلين أحدهما يوجب عليه الرجوع إلى فتوى العلماء الأخر يوجب عليه الاستدلال و التقليد و الأول باطل لأنه إما أن يكون عبارة عن التّمسك بالبراءة الأصلية و هو باطل اتفاقا أو بالأدلة السّمعية و صورتها أيضا لأنه إن لزمه الاستدلال فإما من حين استكمال عقله أو حين نزول تلك الحادثة الأوّل باطل لوجهين أحدهما أن الرّسول صلى اللَّه عليه و آله و الأئمة عليهم السلام بعده لم يأمروا من استكمل عقله بالاشتغال في تحصيل رتبة الاجتهاد الثاني أنه لو اشتغل كلّ عاقل عند كماله بذلك اختل نظام العالم و انتشر فيه الفساد و الثاني يلزم منه تكليف ما لا يطاق فتعين التقليد و هو المطلوب و في الذكرى و وجوب التفقه كفاية للزوم الحرج المنفي بالقرآن العزيز و في المقاصد العلية بعد نقل قول فقهاء حلب و هو قول غريب عجيب مستلزم للمحنة الكبرى و الطامة العظمى و في الإحكام من ليس له أهلية الاجتهاد إذا حدثت به حادثة فروعيّة أما أن لا يكون متعبّدا بشيء و هو خلاف الإجماع من الفريقين و إن كان متعبّدا بشيء فإما بالنظر في الدليل المثبت للحكم أو بالتقليد الأوّل ممتنع لأن ذلك مما يقتضي في حقه و في حق الخلق أجمع إلى النظر في أدّلة الحوادث و الاشتغال عن المعايش و تعطيل الصّنائع و الحرف و خراب الدنيا و تعطيل الحرث و النّسل و دفع الاجتهاد و التقليد رأسا و هو من الحرج و الإضرار المنفي بقوله تبارك و تعالى و ما جعل عليكم في الدّين من حرج و بقوله صلى الله عليه و آله و سلم لا ضرر و لا ضرار في الإسلام و هو عام في كل حرج و ضرار ضرورة كونه نكرة في سياق النفي غير أنا خالفناه في امتناع التقليد في أصول الدّين و لأن الوقائع الحادثة الفقهية أكثر بأضعاف كثيرة من المسائل الأصولية الّتي قيل فيها بامتناع التقليد فكان الحرج في إيجاب الاجتهاد فيها أكثر فبقينا فيما عدا ذلك عاملين بقضية الدليل و هو عام في المسائل الاجتهادية و غيرها انتهى و بالجملة لا إشكال و لا شبهة في أنّه لو لم يجز للعامي تقليد المجتهد و كان الواجب عليه تحصيل العلم بالأحكام الشرعية الفرعية للزم تكليفه بما فيه الحرج و العسر الشّديدين إن لم نقل بكونه مما لا يطاق و ذلك باطل عقلا و نقلا فثبت جواز التقليد له لا يقال لا نسلم الملازمة لأن تحصيل العلم بالأحكام الشّرعية الفرعية للعامي ممكن بسهولة كما في تحصيل أصول الدين سلمنا تعذره أو تعسّره في معظم الأحكام الشرعية الفرعية و لكن نقول لم لا يجوز له الاقتصار على ما يعلمه أو ما يتمكن من تحصيل العلم به بسهولة و إن كان في غاية القلّة و في غيره و إن كان هو المعظم لا يكون مكلفا بشيء كالصّبي سلمنا كونه مكلفا مطلقا و لكن نقول يجب عليه العمل بالاحتياط فيما لا يعلم حكمه بخصوصه فإنه محصّل للعلم بالواقع فهو حينئذ عامل بالعلم أيضا سلمنا أنه يجوز له العمل بغير العلم و لكن لا يجب عليه الاجتهاد و لا نسلم تعذّره و تعسره خصوصا على ما حكاه الشهيد عن فقهاء حلب فإنه في غاية السّهولة و قد أشار إلى هذا في النهاية فقال بعد التّمسّك بالحجة المزبورة لا يقال المانعون من جواز التقليد لا يقولون بالإجماع و لا بخبر الواحد و لا يجوز التمسّك بالظواهر المحتملة و حينئذ يسهل الأمر عليهم فإنهم قالوا ثبت أنّ الأصل عقلا في اللذات الإباحة و في المضار التحريم فإن ورد في بعض الحوادث نصّ قاطع في متنه و دلالته يقتضي ترك ذلك الأصل علمنا به و إلا وجب البقاء عليه فالعامي إذا حدث به نازلة و به شيء من الذكاء عرف حكم العقل فيه و إن كان في غاية البلادة ينبّهه المفتي على حكم العقل و كما أن طلب المعاش غير مانع من الاشتغال في الأصول كذا لا يمنع من معرفة هذا القدر اليسير لأن وجود نصّ قاطع في المتن و الدلالة تدركه بأدنى إشارة من قول المفتي و إن لم يوجد ينبهّه على الحكم الأصل نعم المنع من التقليد يصعب عند الموجبين للعمل بالقياس و خبر الواحد إما من يمنعهما فلا صعوبة و لو منع المعاش عن ذلك لكان منعه عن وجوب النظر في مسائل الأصول أولى لما فيها من الصّعوبة و الافتقار إلى الكد الشديد و معلوم أن الصّحابة ما كانوا يلومون من لم يتعلم علم الكلام في أول زمان بلوغه انتهى و بالجملة العامي إذا فرض له عدم التمكن من تحصيل العلم بالحكم الشرعي وجب عليه تحصيل الظن به و هو في غاية السّهولة كما في تحصيل الظن بالقبلة و غيرها مما يكتفي فيه بالظن سلمنا الملازمة و لكن نمنع بطلان التالي و نقول لم لا يجوز هنا تكليفه بما فيه الحرج و ليس التكليف بالحرج كالتكليف بما لا يطاق في الامتناع نعم الأصل المستفاد من العمومات الشرعية عدم التكليف بالحرج لكن غاية هذا الأصل الظن و أنتم لا تجوزون للعامي العمل بالظن في الأحكام الشرعية الفرعية على أنا نقول هذه العمومات معارضة بالعمومات المانعة عن التقليد و الدالة على