الموجز في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢٨ - المسألة الأولى في الشبهة الحكمية التحريمية لفقدان النص
الشبهات نجا من المحرمات، و مَن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لا يعلم».
ثمّ قال في آخر الحديث: «فإنّ الوقوف عند الشبهات خيرٌ من الاقتحام في الهلكات».
إنّ مورد التثليث الوارد في كلام الوصيّ هو الشبهات الحكميّة، وحاصل التثليث أنّ ما يبتلى به المكلّف إمّا بيّن رشده فيُتَّبع، و إمّا بيّن غيّه فيُجتنب، وامّا الأمر المشكل فلا يفتي بما لا يعلم حتى يرجع حكمه إلى اللّه.
والجواب انّ التثليث في كلام الوصيّ ينسجم مع الطائفة الأُولى من حرمة الإفتاء بغير علم.
وأمّا التثليث في كلام الرسول، فموردها الشبهات الموضوعيّة التي يُقطع بوجود الحرام فيها، و هي تنطبق على الشبهة المحصورة، حيث إنّ ظاهر الحديث أنّ هناك حلالاً بيّناً، وحراماً بيّناً، و شبهات بين ذلك، على وجه لو ترك الشبهات نجا من المحرمات، و لو أخذ بها ارتكب المحرمات، و هلك من حيث لا يعلم وما هذا شأنه فهو خارج عن الشبهة البدئيّة، ومنطبق على الشبهة المحصورة.
وإن شئت قلت: إنّ الرواية ظاهرة فيما إذا كانت الهلكة محرزة مع قطع النظر عن حديث التثليث، وكان اجتناب الشبهة أو اقترافها ملازماً لاجتناب المحرمات وا قترافها، حتى يصحّ أن يقال: «فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات» و ما هذا شأنه لا ينطبق إلاّ على الشبهة المحصورة لا الشبهة البدوية التي لا علم فيها أصلاً بالمحرمات.
وأنت إذا استقصيت روايات الباب تقف على أنّ أكثرها لا مساس لها بمورد البراءة، و ما لها مساس محمول إمّا على الاستحباب، أو التورّع الكثير.