الموجز في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٦ - د الاستدلال على حجّية خبر الواحد بالسيرة العقلائية
للنفس، خصوصاً إذا كان عدلاً، و لو كانت السيرة أمراً غير مرضيّ للشارع كان عليه الردع كما ردع عن العمل بقول الفاسق.
ولم يكن عمل المسلمين بخبر الثقة إلاّ استلهاماً من تلك السيرة العقلائية التي ارتكزت في نفوسهم.
والحاصل: انّه لو كان العمل بأخبار الآحاد الثقات أمراً مرفوضاً، لكان على الشارع أن ينهى عنه و ينبه الغافل و يُفهم الجاهل. فإذا لم يردع كشف ذلك عن رضاه بتلك السيرة و موافقته لها.
فالاستدلال بسيرة العقلاء على حجّية خبر الواحد من أفضل الأدلّة التي لاسبيل للنقاش فيها، فانّ ثبوت تلك السيرة و كشفها عن رضا الشارع ممّا لاشكّ فيه.
سؤال: ربما يقال انّ الآيات الناهية عن اتّباع الظن كافية في ردع تلك السيرة كقوله سبحانه: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاّيَخْرُصُونَ) (الأنعام/١١٦)و قوله سبحانه:(إِنَّ الّذينَ لا يُؤْمِنُونَ بالآخرةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى*وَ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنّ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً)(النجم/٢٧ـ٢٨).
والجواب: انّ المراد من الظن في الآيات الناهية ترجيح أحد الطرفين استناداً إلى الخرص والتخمين كما قال سبحانه:(إِنْ هُمْ إِلاّيَخْرُصُونَ) و يشهد بذلك مورد الآية من تسمية الملائكة أُنثى، فكانوا يُرجّحون أحدَ الطرفين بأمارات ظنية و تخمينات باطلة، فلا يستندون في قضائهم لا إلى الحس ولا إلى العقل بل إلى الهوى و الخيال، وأين هذا من قول الثقة أو الخبر الموثوق بصدوره الذي تدور عليه رحى الحياة و يجلب الإطمئنان والثبات؟! [١]
[١] و يشهد لما ذكرنا انّ لسان النهي عن اتباع الظن إرشاد إلى حكم العقل من أنّ الظن بما هو ظن لامسوِّغ للاعتماد عليه ، فلا نظرَ له إلى ما استقرت عليه سيرة العقلاء بما هم عقلاء على اتّباعه، لأجل كون الراوي ثقة.