الموجز في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠١ - الفصل السادس حجّية العقل
والمفاسد من مصادر التشريع الإسلامي.
إذا عرفت ذلك، فيقع البحث في حجّية العقل في مقامين:
المقام الأوّل: استكشاف حكم الشرع عند استقلاله بالحكم بالنظر إلى ذات الموضوع، فنقول: إذا استقل العقل بالحكم على الموضوع عند دراسته بما هوهو من غير التفات إلى ماوراء الموضوع من المصالح و المفاسد ، ـ ومن امتلثه وراء ما مرّ أعني حسن الإحسان وباب الملازمات، استقلاله بقبح تكليف غير المميز و من لم يبلغه البيان ـ فهل يكون ذلك دليلاً على كون الحكم عند الشارع كذلك أيضاً أو لا؟ فذهب الأُصوليون إلى وجود الملازمة بين الحكمين، و ما ذلك إلاّ لأنّ العقل يدرك حكماً عاماً غير مقيّد بشيء.
مثلاً إذا أدرك العقل (حسن العدل) فقد أدرك انّه حسن مطلقاً أي سواء كان الفاعل واجب الوجود أو ممكن الوجود، و سواء كان الفعل في الدنيا أو في الآخرة، و سواء كان مقروناً بالمصلحة أو لا، فمثل هذا الحكم العقلي المدرَك يلازم كون الحكم الشرعي أيضاً كذلك وإلاّ لما كان المدرَك عاماً شاملاً لجميع تلك الخصوصيات.و بذلك تتضح الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع في المستقلات العقلية.
هذا كلّه في المستقلات العقلية و به يظهر حكم غير المستقلات العقلية التي عرفت معناها، فمثلاً إذا أدرك العقل الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، أو وجوب الشيء و حرمة ضدّه، أو الملازمة بين ثبوت الجزاء عند ثبوت العلّة المنحصرة و انتفائه عند انتفائها ، يكشف ذلك انّ الحكم عند الشرع كذلك، لأنّ الحكم المدرَك بالعقل حكم عام غير مقيّد بشيء من القيود، فكما انّ العقل يدرك الملازمة بين الأربعة والزوجية بلا قيد فيكون حكماً صادقاً في جميع الأزمان والأحوال، فكذلك يدرك الملازمة بين الوجوبين أو بين الوجوب والحرمة، فالقول بعدم كشفه عن حكم الشارع، كذلك ينافي إطلاق حكم العقل و عدم