الموجز في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٠ - ٣ آية الكتمان
فلا يمكن أن ينفر المؤمنون كافة لتحصيل أحكام الشريعة، و لكن لماذا لا ينفر من كلّ فرقة منهم طائفة لتعلّم الشريعة حتى ينذروا قومهم عند الرجوع إليهم؟
وجه الاستدلال: انّه سبحانه أوجب الحذر على القوم عند رجوع الطائفة التي تعلّمت الشريعة و المراد من الحذر هو الحذر العملي، أي ترتيب الأثر على قول المنذر .ثمّ إنّ إنذاره كما يتحقّق بصورة التواتر يتحقّق أيضاً بصورة إنذار بعضهم البعض، فلو كان التواتر أوحصول العلم شرطاً في الإنذار لأشارت إليه الآية، و إطلاقها يقتضي حجّية قول المنذر سواء أنذر إنذاراً جَماعياً أو فردياً، و سواء أفادا العلم أو لا.
يلاحظ على الاستدلال: أنّ الآية بصدد بيان أنّه لا يمكن نفر القوم برمّتهم، بل يجب نفر طائفة منهم، و أمّا كيفية الإنذار و انّه هل يجب أن يكون جَماعياً أو فردياً فليست الآية بصدد بيانها حتى يتمسّك بإطلاقها، و قد مرّفي مبحث المطلق و المقيد انّه يشترط في صحّة التمسّك بالإطلاق كون المتكلّم في مقام البيان.
ويشهد على ذلك انّ الآية لم تذكر الشرط اللازم، أعني: الوثاقة والعدالة، فكيف توصف بأنّها في مقام البيان؟!
٣. آية الكتمان
قال سبحانه:(إِنَّ الّذينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنهُمُ اللّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللاعِنُون) (البقرة/١٥٩).
والاستدلال بها يشبه الاستدلال بآية النفر، فانّ وجوب الإظهار وتحريم الكتمان يستلزم وجوب القبول وإلاّلغى وجوب الإظهار، نظير قوله سبحانه:(وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ)(البقرة/٢٢٨) فانّ حرمة كتمانهنّ لما في أرحامهن يقتضي قبول قولهن و إلاّ لغى التحريم.
يلاحظ على الاستدلال: أنّ الآية في مقام إيجاب البيان على علماء أهل