الموجز في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٠ - الفصل السادس حجّية العقل
العقل بأنّ الإتيان بالمأمور به على ما هو عليه موجب لحصول الامتثال يُستدل به على أنّه في الشرع أيضاً كذلك، فيترتّب عليه براءة الذمّة عن الإعادة والقضاء، أو إذا حكم العقل عند التزاحم بلزوم تقديم الأهم كالنفس المحترمة على المهم كالتصرف في مال الغير بلا إذنه، فيُستدل به على الحكم الشرعي و هو وجوب إنقاذ الغريق، و جواز التصرف في مال الغير، كلّ ذلك توصلٌ بالحكم العقلي للاهتداء إلى الحكم الشرعي.
الخامس: انّ الاستدلال بالحكم العقلي على الحكم الشرعي يتصور على وجهين:
أ. إذا أدرك العقلُ حكم الموضوع عند لحاظه بما هوهو مع قطع النظر عن سائر الجهات من كونه ذات مصلحة أو مفسدة، موجب لبقاء النظام أو زواله، نافع للمزاج أو مضرّ به، بل استقلّ العقل بحكمه إذا نظر إلى الموضوع بما هوهو، من دون لحاظ أيّ ضميمة من الضمائم، و من أوضح أمثلة هذا القسم استقلاله بحسن العدل و حكمه بلزوم فعله، و قبح الظلم و حكمه بلزوم تركه.
نعم المورد لا ينحصر بالتحسين والتقبيح و سيوافيك أنّ كلّ ما يدركه العقل بوصف كونه حكماً عاماً غير مقيّد بفاعل خاص، ولا طرف معيّن، فهو من مصاديق هذا القسم، نظير إدراكه الملازمة بين الإرادتين و الوجوبين، أو بين وجوب شيء وحرمة ضدّه، و هكذا فإنّ المدرَك حكم عام غير مقيّد بشيء. غير انّ التحسين والتقبيح من المستقلات العقلية وغيرهما كباب الملازمات من غير المستقلات العقلية لكن يجمعهما إدراك العقل الحكمَ العام الذي يشارك فيه الممكن والواجب.
ب. إذا استقل العقل بالحكم لا بملاحظة الموضوع بما هوهو، بل بما هو ذات مصلحة أو مفسدة فحكم بلزوم حيازة الأُولى والاجتناب عن الثانية، فهل يُستكشف منه الوجوب أو الحرمة عند الشارع أيضاً بحيث يكون العلم بالمصالح