الموجز في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣٨ - المسألة الأُولى دوران الأمر بين المحذورين لفقدان النص
تطابقياً، فالعلم الإجمالي به يدلّ على خروج الموضوع عن حدّ الاستواء، و لكن الأصل يدلّ على كونه باقياً عليه، فلأجل ذلك لا تجري أصالة الإباحة.
فإن قيل: إذا كان المانع من جريان أصالة الإباحة منافاتها مع العلم بالإلزام، فهو بنفسه موجود أيضاً في البراءة العقلية و الشرعية، فإنّ البراءة من الحكمين ينافي العلم الإجمالي بالإلزام.
قلنا: الفرق بينهما واضح، فإنّ أصالة الإباحة بمفهومها المطابقي لا تجتمع مع العلم بالإلزام، و هذا بخلاف البراءة عن خصوص الوجوب وحده، فإنّها تجتمع مع العلم بالإلزام بأن يكون حراماً، كما انّ البراءة عن خصوص الحرمة وحدها تجتمع أيضاً مع العلم بالإلزام بأن يكون واجباً.
نعم بعد جريان البراءتين يحصل علم إجمالي بمنافاة إحديهما مع العلم بالإلزام، و لكن هذا العلم بالتنافي غير مخلّ، و إنّما المخلّ حصول العلم بالتنافي حين الجريان.
وأمّا دليل الحكم بالتخيير شرعاً، فلقياس المقام بتعارض الخبرين الدال أحدهما على الحرمة و الآخر على الوجوب، فإنّ الحكم الظاهري هناك هو التخيير بين الخبرين، فليكن الأمر كذلك إذا كان هناك علم إجمالي بأحدهما .
يلاحظ عليه: أنّ التخيير بين الخبرين ثبت بالدليل الخاص، و قد تضافرت الأخبار على التخيير في الخبرين المتعارضين إذا لم يكن بينهما مرجّح، فاستنباط حكم المقام منه أشبه بالقياس.
وبعبارة أُخرى: أنّ موضوع روايات التخيير ما إذا دار الأمر بين المحذورين لأجل تعارض النصّين، لا لفقدان النص، و لا لإجماله، و لا لخلط الأُمور الخارجية; و التعدّي عن مورد التعارض إلى مطلق الدوران قياس لا نقول به.
وأمّا دليل لزوم الأخذ بإحديهما تعييناً و هوجانب الحرمة فهو انّ دفع