الموجز في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٩ - الفصل الأوّل حجّية ظواهر الكتاب
وهو التبادر و صحّة الحمل و السلب والإطراد. و لم يبق إلاّ الأمر الرابع و هو حجّية ظهور كلامه، و الكتاب الكريم كتاب هداية و برنامج لسعادة الإنسان و المجتمع، فلازم ذلك أن تكون ظواهره حجّة كسائر الظواهر، ولا وجه للاحتجاج بكلّ الظواهر إلاّ ظواهر الكتاب.
ثمّ إنّ الأُصوليين جعلوا مطلق الظواهر من الظنون و قالوا باعتبارها و خروجها عن تحت الضابطة السالفة الذكر بدليل خاص، و هو بناء العقلاء على حجّية ظواهر كلام كلّ متكلّم، و لكن دقة النظر تقتضي أن تكون الظواهر من القطعيات لا الظنيّات.
ويظهر ذلك بالبيان التالي:
إنّ السير في المحاورات العرفية يرشدنا إلى أنّها من الأمارات القطعية على المراد الاستعمالي بشهادة انّ المتعلِّم يستدل بظاهر كلام المعلِّم على مراده. وما يدور بين البائع و المشتري من المفاهيم لا توصف بالظنية، وما يتفوّه به الطبيب يتلقّاه المريض أمراً واضحاً لا سترة فيه كما أنّ ما يتلّقاه السائل من جواب المجيب يسكن إليه دون أيّ تردد.
فإذا كانت هذه حال محاوراتنا العرفية في حياتنا الدنيويّة، فلتكن ظواهر الكتاب و السنّة كذلك فلماذا نجعلها ظنيّة الدلالة؟!
نعم المطلوب من كونها قطعية الدلالة هو دلالتها بالقطع على المراد الاستعمالي لا المراد الجدي، لأنّ الموضوع على عاتق الكلام هو كشفه عمّا يدل عليه اللفظ بالوضع و ما يكشف عنه اللفظ الموضوع هو المراد الاستعمالي، و المفروض أنّ الظواهر كفيلة لإثبات هذا المعنى فلا وجه لجعلها ظنيّة الدلالة. وأمّا المراد الجدّي فإنّما يعلم بالأصل العقلائي أعني أصالة تطابق الإرادة الاستعمالية مع الجدّية.
والذي صار سبباًلعدِّ الظواهر ظنّية هو تطرّق احتمالات عديدة إلى كلام