اصول الفقه- ط مكتب الاعلام الاسلامي - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٥٦
و حينئذ يستحيل النسخ , لانه يلزم منه هذا الانقلاب المستحيل ,
أو عدم حكمة الناسخ أو جهله بوجه الحكمة . و الاخيران مستحيلان بالنسبة الى
الشارع المقدس .
و الجواب واضح , بعد معرفة ما ذكرناه فى الجزء الثانى فى المباحث
العقلية من معانى الحسن و القبيح , فان المستحيل انقلاب الحسن و القبيح
الذاتيين و لا معنى لقياسهما على المصالح و المفاسد التى تتبدل و تتغير
بحسب اختلاف الاحوال و الازمان . و لا يبعد فى أن يكون الشىء ذا مصلحة فى
زمان ذا مفسدة فى زمان آخر . و ان كان لا يعلم ذلك إلا من قبل الشارع
العالم المحيط بحقائق الاشياء . و هذا غير معنى الحسن و القبح اللذين نقول
فيهما انه يستحيل فيهما الانقلاب .
مضافا الى أن الاشياء تختلف فيها وجوه الحسن و القبح باختلاف الاحوال مما لم يكن الحسن و القبح فيه ذاتيين , كما تقدم هناك .
و اذا كان الأمر كذلك فمن الجائز ان يكون الحكم المنسوخ كان ذا
مصلحة ثم زالت فى الزمان الثانى فنسخ , أو كان ينطبق عليه عنوان حسن ثم زال
عنه العنوان فى الزمان الثانى فنسخ .
فهذه هى الحكمة فى النسخ .
٣ ـ و قيل : اذا كان النسخ ـ كما قلتم ـ لأجل انتهاء أمد المصلحة ,
فينتهى أمد الحكم بانتهائها , فانه ـ و الحال هذه ـ اما ان يكون الشارع
الناسخ قد علم بانتهاء أمد المصلحة من أول الأمر و اما ان يكون جاهلا به .
لا مجال للثانى , لأن ذلك مستحيل فى حقه تعالى , و هو البداء
الباطلالمستحيل فيتعين الاول , و عليه فيكون الحكم فى الواقع موقتا و ان
أنشأه الناسخ مطلقا فى الظاهر , و يكون الدليل على النسخ فى الحقيقة مبينا و
كاشفا عن مراد الناسخ .
و هذا هو معنى التخصيص , غاية الأمر يكون تخصيصا بحسب الاوقات لا الأحوال , فلا يكون فرق بين النسخ و التخصيص إلا بالتسمية .