اصول الفقه- ط مكتب الاعلام الاسلامي - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤٠
من اشتراك الاحكام بين العالم و الجاهل ـ تنشأ (( شبهة عويصة )) فى صحة جعل الامارة قد أشرنا اليها فيما سبق ص ٣١ , و هى : ـ
انه فى فرض التمكن من تحصيل الواقع و الوصول اليه كيف جاز أن يأذن
الشارع باتباع الامارة الظنية , و هى ـ حسب الفرض ـ تحتمل الخطأ المفوت
للواقع . و الأذن فى تفويته قبيح عقلا , لأن الامارة لو كانت دالة على جواز
الفعل ـ مثلا ـ و كان الواقع هو الوجوب أو الحرمة , فان الاذن باتباع
الامارة فى هذا الفرض يكون أذنا بترك الواجب أو فعل الحرام , مع أن الفعل
لا يزال باقيا على وجوبه الواقعى أو حرمته الواقعية مع تمكن المكلف من
الوصول الى معرفة الواقع حسب الفرض . و لا شك فى قبح ذلك من الحكيم .
و هذه الشبهة هى التى الجأت بعض الاصوليين الى القول بأن الامارة
مجعولة على نحو (( السببية )) , إذ عجزوا عن تصحيح جعل الامارة على نحو ((
الطريقية )) التى هى الأصل فى الامارة على ما سيأتى من شرح ذلك قريبا .
و الحق معهم إذا نحن عجزنا عن تصحيح جعل الامارة على نحو الطريقية ,
لأن المفروض أن الامارة قد ثبتت حجيتها قطعا فلابد أن يفرض ـ حينئذ ـ فى
قيام الامارة او فى اتباعها مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع على
تقدير خطأها حتى لا يكون اذن الشارع بتفويت الواقع قبيحا , ما دام ان
تفويته له يكون لمصلحة أقوى و أجدى او مساوية لمصلحة الواقع فينشأ على طبق
مؤدى الامارة حكم ظاهرى بعنوان انه الواقع , إما ان يكون مماثلا للواقع عند
الاصابة أو مخالفا له عند الخطأ .
و نحن ـ بحمد الله تعالى ـ نرى ان الشبهة يمكن دفعها على تقدير الطريقية , فلا حاجة الى فرض السببية .
و الوجه فى دفع الشبهة : انه بعد أن فرضنا أن القطع قام على ان
الامارة الكذائية كخبر الواحد حجة يجوز اتباعها مع التمكن من تحصيل العلم ,
فلا بد أن يكون الاذن من الشارع العالم بالحقائق الواقعية لأمر علم به و
غاب عنا علمه . و لا يخرج هذا الأمر عن أحد شيئين لا ثالث لهما , و كل
منهما جائز عقلا لا مانع منه :