حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٦٩ - ذكر من قام بمصر من الخلفاء العباسيين
المسجد الشريف النبويّ فأحرقته بأسره وما فيه من خزائن وكتب ، وأحرقت الحجرة الشريفة والمنبر والسّقوف ، ولم يبق سوى الجدران ، واحترقت فيه جماعة من أهل الفضل والخير ؛ وكان أمرا مهولا.
وفي هذه السّنة وقع بالغربيّة برد كبار بحيث قتل كثيرا من الطير ؛ وقيل إنّ وزن البردة سبعون درهما.
وفي سنة سبع وثمانين ورد الخبر بأن صاعقة نزلت بحلب ، وبأنّ الفناء وقع ببغداد وبلاد الشرق عظيما جدّا حتّى قيل إنّه عدّ ببغداد من تأخّر من الرجال ؛ فكانوا مائتين واثنين وأربعين نفسا.
وفي ذي الحجة وردت الأخبار بأنّه حصل بمكّة في يوم الأربعاء رابع عشر ذي القعدة سيل عظيم بحيث دخل البيت الشريف ، فكان فيه قامة ، وأخرب بيوتا كثيرة ، وهدم جملة من أساطين الحرم ، ووجد في المسجد من الغرقاء سبعين إنسانا وخارج المسجد خمسمائة نفس ، واستمرّ الماء في المسجد إلى يوم السبت ، ولم تصلّ الجمعة. وكتب القاضي برهان الدين بن ظهيرة إلى مصر كتابا بذلك يقول فيه : إنّ هذا السّيل لم يعهد مثله لا في جاهلية ولا في إسلام ، وإنّه ذرع موضع وصوله في المسجد ؛ فكان سبع أذرع وثلث ذراع ؛ وقد قلت في ذلك هذه الأبيات :
| في عام ستّ أتى المدينة في ال | مسجد نارا أفنته بالحرق | |
| وعام سبع أتى لمكّة في ال | مسجد سيل قد عمّ بالغرق | |
| وقبلها القحط بالحجاز فشا | ومصر قد زلزلت من الفرق | |
| وانهبط النيل غير منتفع | به وضاقت معايش الفرق | |
| فهذه جملة أتت نذرا | مستوجبات للخوف والقلق | |
| فليحذر الناس أن يحلّ بهم | ما حلّ بالأوّلين من حنق |
ولما أخذ التتار بغداد ، وقتل الخليفة [١] ، وجرى ما جارى ، أقامت الدّنيا بلا خليفة ثلاث سنين ونصف سنة ؛ وذلك من يوم الأربعاء رابع عشر صفر سنة ستّ وخمسين ، وهو يوم قتل الخليفة المستعصم ; إلى أثناء سنة تسع وخمسمائة ؛
[١] الخليفة المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله ، آخر الخلفاء العراقيين. [شذرات الذهب : ٥ / ٢٧٠].