حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٩٤ - ذكر من قام بمصر من الخلفاء العباسيين
ثاني جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين. فندم برقوق على ما صنع بالمتوكّل ، فخلع زكريّا وأعاد المتوكّل إلى الخلافة ، وحلّف القضاة كلا من الخليفة والسلطان للآخر على الموالاة والمناصحة. وأقام زكريّا بداره إلى أن مات مخلوعا في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانمائة. وقرىء تقليد المتوكل بالمشهد النفيسيّ [١] فى ثامن عشر الشهر بحضرة القضاة والأمراء ، وقرّر له السلطان دارا بالقلعة يسكنها ، ويركب إلى داره بالمدينة متى شاء.
واستمرّ المتوكّل في خلافته هذه إلى أن مات ليلة الثلاثاء ثامن عشري رجب [٢] سنة ثمان وثمانمائة.
قال المقريزي : وهو أوّل من أثرى من خلفاء مصر ، وكثر ماله ، ورزق أولادا كثيرة ، يقال إنّه جاء له مائة ولد ، ما بين مولود وسقط ، ومات عن عدّة أولاد ذكور وإناث ، ولي الخلافة منهم خمسة ، ولا نظير لذلك ؛ وأكثر إخوته ولوا الخلافة فيما تقدّم ، أربعة. واتّفق للمتوكّل هذا أنّه عاد إلى الخلافة بعد خلعه مرّتين ، ولم يقع ذلك لأحد فيما تقدّم إلا للمقتدر فقط.
ورأيت في تاريخ عالم حلب المحبّ أبي الوليد بن الشّحنة أنّه في سنة سبع وتسعين وسبعمائة ، أرسل أبو يزيد بن عثمان إلى الخليفة المتوكّل بهدايا وتحف في طلب تشريف منه بأن يكون سلطان الروم ؛ فجهّز له ذلك.
وذكر الحافظ ابن حجر في إنباء الغمر ، أنّ مولد المتوكل هذا في سنة نيّف وأربعين وسبعمائة [٣] ، وأنّه لمّا تسلطن برقوق المرّة الأولى حسّن له جماعة من أهل الدولة وغيرهم طلب الملك ؛ فكاتب الأمراء والعربان مصرا وشاما وعراقا ، وبثّ الدعاة في الآفاق. فبلغ ذلك برقوقا ، فخلعه وسجنه ، فخرج يلبغا الناصريّ على برقوق بسبب ذلك ، فأفرج عنه برقوق ، وأعاده إلى الخلافة ، وفرح الناس به فرحا كثيرا. فلمّا انتصر الناصريّ ، وزالت دولة برقوق قال الناصريّ للخليفة بمحضر من الأمراء : يا مولانا أمير المؤمنين ما ضربت بسيفي هذا إلّا في نصرتك ؛ وبالغ في تعظيمه وتبجيله ، فتبرّم المتوكّل من الدخول في الملك ، وأشار بإعادة حاجي بن شعبان.
[١] في الخطط المقريزية : ٢ / ٤٤٠ : نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب :. توفيت في رمضان سنة ٢٠٨ ه ودفنت في منزلها ، وهو الموضع الذي به قبرها الآن (مشهد نفيسة).
[٢] في شذرات الذهب : ٧ / ٧٨ : شعبان.
[٣] في شذرات الذهب : ٧ / ٧٨ : ستّ وأربعين وسبعمائة ٢٠ : شيخ المحمودي. [الخطط المقريزية : ٢ / ٢٤١].