حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٤٧ - الفرنج في دمياط
منيعا ، وهو قفل بلاد مصر ، وصفته أنّه في وسط جزيرة في النيل عند انتهائه إلى البحر ؛ ومن هذا البرج إلى دمياط وهي على شاطىء البحر وحافّة النّيل سلسلة ، ومنه إلى الجانب الآخر وعليه الجسر سلسلة أخرى ، ليمنع دخول المراكب من البحر إلى النيل ، فلا يتمكن من البلاد ، فلمّا ملكت الفرنج هذا البرج شقّ ذلك على المسلمين بديار مصر وغيرها ، ووصل الخبر إلى الملك العادل وهو بمرج الصّفراء [١] ، فتأوّه تأوّها شديدا ، ودقّ بيده على صدره أسفا وحزنا ، ومرض من ساعته مرض الموت.
ثمّ في سنة ستّ عشرة استحوذ الفرنج على دمياط ، وجعلوا الجامع كنيسة لهم ، وبعثوا بمنبره وبالرّبعات ورؤوس القتلى إلى الجزائر ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون! واستمرّت بأيديهم إلى سنة سبع عشرة.
وكان الكامل [٢] عرض عليهم أن يردّ إليه بيت المقدس وجميع ما كان صلاح الدين فتحه من بلاد السواحل ويتركوا دمياط ؛ فامتنعوا من ذلك ؛ فقدّر الله أنّ ضاقت عليهم الأقوات ، فقدمت عليهم مراكب فيها ميرة ، فأخذها الأسطول البحريّ ، وأرسلت المياه إلى أراضي دمياط من كلّ ناحية ، فلم يمكنهم بعد ذلك أن يتصرّفوا في أنفسهم ، وحصرهم المسلمون من الجهة الأخرى ؛ حتّى اضطرّوهم إلى أضيق الأماكن ، فعند ذلك أنابوا إلى المصالحة بلا معارضة ، وكان يوما مشهودا ، ووقع الصّلح على ما أراد الكامل ، ومدّ سماطا عظيما ، وقام راجح الحلّيّ [٣] فأنشد :
| هنيئا فإنّ السّعد أضحى مخلّدا | وقد أنجز الرّحمن بالنّصر موعدا | |
| حبانا إله الخلق فتحا بدا لنا | مبينا وإنعاما وعزّا مؤيّدا |
إلى أن قال :
| أعبّاد عيسى إنّ عيسى وحزبه | وموسى جميعا يخدمون محمّدا |
وكان حاضرا حينئذ الملك المعظّم عيسى والملك الأشرف موسى ابنا الملك العادل.
قال أبو شامة : وبلغني أنّه لما أنشد هذا البيت ، أشار إلى الملك المعظّم عيسى والأشرف موسى والكامل محمد ؛ فكان ذلك من أحسن شيء اتّفق ، وتراجعت الفرنج إلى عكّا وغيرها من البلدان. قال الحافظ شرف الدين الدمياطي في معجمه : أنشدنا أبو
[١] في معجم البلدان : مرج الصفر : ويقع قرب دمشق.
[٢] الملك الكامل ناصر الدين أبو المعالي محمد ، وهو ابن الملك العادل. [الخطط المقريزية : ٢ / ٢٣٥].
[٣] راجح بن اسماعيل الحلي الأديب شرف الدين ، مدح الملوك بمصر والشام والجزيرة ، توفي في شعبان سنة ٦٢٧ ه. [شذرات الذهب : ٥ / ١٢٣].