حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٥٩ - الملك المظفر سيف الدين قطز
الأوّل سنة خمس وخمسين ، وأقيم بعده ولده عليّ ولقّب المنصور ، وعمره نحو خمس عشرة سنة ، فأقام سنتين وثمانية أشهر ، وفي أيامه أخذ التتار بغداد ، وقتل الخليفة.
[الملك المظفر سيف الدين قطز]
ثم إنّ الأمير سيف الدين قطز مملوك المعزّ قبض على المنصور ، واعتقله في أواخر ذي القعدة سنة سبع وخمسين ؛ وتملّك مكانه ، ولقّب بالملك المظفّر بعد أن جمع الأمراء والعلماء والأعيان ، وأفتوا بأنّ المنصور صبيّ [١] لا يصلح للملك ، لا سيّما في هذا الزمان الصعب الذي يحتاج إلى ملك شهم مطاع لأجل إقامة الجهاد ، والتتار قد وصلوا البلاد الشاميّة ، وجاء أهلها إلى مصر يطلبون النّجدة ؛ وأراد قطز أن يأخذ من الناس شيئا ليستعين به على قتالهم ؛ فجمع العلماء ، فحضر الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام فقال : لا يجوز أن يؤخذ من الرعيّة شيء حتّى لا يبقى في بيت المال شيء ، وتبيعوا مالكم من الحوائص والآلات ، ويقتصر كلّ منكم على فرسه وسلاحه ، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة. وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا. ولم يكن قطز هذا مرقوق الأصل ، ولا من أولاد الكفر.
فقال الجزريّ في تاريخه : كان قطز في رقّ ابن الزعيم ، فضربه أستاذه فبكى ، فقيل له : تبكي من لطمة؟! فقال : إنّما أبكي من لعنة أبي وجدّي ، وهما خير منه ، فقيل : من أبوك! واحد كافر. قال : ما أنا إلّا مسلم ، أنا محمود بن مودود بن أخت خوارزم شاه من أولاد الملوك.
وخرج المظفّر بالجيوش في شعبان سنة ثمان وخمسين [وستمائة] متوجّها إلى الشام لقتال التتار وشاويشه [٢] ركن الدين بيبرس البندقداريّ ، فالتقوا هم والتتار عند عين جالوت ، ووقع المصافّ يوم الجمعة خامس عشري رمضان ، فهزم التتار [٣] شرّ هزيمة ، وانتصر المسلمون ولله الحمد ، وجاء كتاب المظفّر إلى دمشق بالنصر ، فطار الناس فرحا ، ثم دخل المظفّر إلى دمشق مؤيّدا منصورا ، فأحبّه الخلق غاية المحبّة ، وقال بعض الشعراء في ذلك :
[١] في الخطط المقريزية : وكان عمره خمس عشرة سنة.
[٢] لفظة تركية تعني قائد قوات الاستطلاع التي تسير أمام الجند. الأعلاق الخطيرة.
[٣] وكان التتار قد ملكوا بغداد وقتلوا الخليفة المستعصم بالله وخربوا بغداد وديار بكر وحلب. [الخطط المقريزية : ٢ / ٢٣٨].