حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٢١٨ - جامع أحمد بن طولون
محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الحنفيّ ، أنّه أدرك بجامع عمرو قبل الوباء الكائن في سنة تسع وأربعين وسبعمائة بضعا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه [١].
جامع أحمد بن طولون
هذا الجامع موضعه يعرف بجبل يشكر ، قال ابن عبد الظاهر : وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء ، وقيل : إنّ موسى عليه الصلاة والسلام ناجى ربّه عليه بكلمات.
وابتدأ في بناء هذا الجامع [٢] الأمير أبو العباس أحمد بن طولون بعد بنائه القطائع ، وهي مدينة بناها ما بين سفح الجبل حيث القلعة الآن ، وبين الكبارة وما بين كوم الجارح وقناطر السباع ؛ فهذه كانت القطائع.
وكان ابتداء بنائه في سنة ثلاث وستّين ومائتين ، وفرغ منه سنة ست [٣] وستين [ومائتين] ، وبلغت النفقة عليه في بنائه مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار. وقيل : إنه قال : أريد أن أبني بناء إن احترقت مصر بقي ، وإن غرقت بقي ، فقيل : يبنى بالجير والرّماد والآجرّ الأحمر ، ولا تجعل فيه أساطين رخام ، فإنّه لا صبر له على النّار ؛ فبنى هذا البناء ، فلمّا كمل بناؤه أمر بأن يعمل دائرة منطقه عنبر معجون ليفوح ريحها على المصلّين ، وأشعر الناس بالصلاة فيه ، فلم يجتمع فيه أحد ، وظنّوا أنّه بناه من مال حرام ، فخطب فيه ، وحلف أنّه ما بنى هذا المسجد بشيء من ماله ، وإنّما بناه بكنز ظفر به ، وإنّ العشار الذي نصبه على منارته وجده في الكنز.
فصلّ الناس فيه ، وسألوه أن يوسّع قبلته ، فذكر أنّ المهندسين اختلفوا في تحرير قبلته ، فرأى في المنام النبي ٦ ، وهو يقول : يا أحمد ، ابن قبلة هذا الجامع على هذا الموضع ؛ وخطّ له في الأرض صورة ما يعمل. فلمّا كان الفجر مضى مسرعا إلى ذلك الموضع ؛ فوجد صورة القبلة في الأرض مصوّرة ، فبنى المحراب عليها ، ولا يسعه أن يوسّع فيه لأجل ذلك ، فعظم شأن الجامع ، وسألوه أن يزيد فيه زيادة ، فزاد فيه.
قال الخطيب : ركب أحمد بن طولون يوما يتصيّد بمصر ، فغاصت قوائم فرسه [٤] في الرمل ، فأمر بكشف ذلك الموضع ، فظهر له كنز فيه ألف ألف دينار ، فأنفقها في
[١] انظر المرجع السابق.
[٢] في الخطط المقريزية : ٢ / ٢٦٥ : سنة ثلاث وستين ومائتين.
[٣] في الخطط المقريزية : ٢ / ٢٦٦ : خمس وستين ومائتين.
[٤] في الخطط المقريزية : ٢ / ٢٦٧ : ساخت في الأرض يد فرس بعض غلمانه وهو رمل فسقط الغلام في الرمل.