حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٢٢ - ذكر أمراء مصر من بني عبيد
فكسره ، واستمرّ المعزّ [١] بالقاهرة إلى أن مات في ربيع الآخر سنة خمس وستين. وكان منجّمة قال له في في السنة التي قبلها : إنّ عليك قطعا في هذه السنة فتوار عن وجه الأرض حتّى تنقضي هذه المدّة ؛ فعمل له سردابا ، ودعا الأمراء وأوصاهم بولده نزار ، ولقّبه العزيز ، وفوّض إليه الأمر حتّى يعود ، فبايعوه على ذلك ، ودخل ذلك السرداب ، فتوارى فيه سنة ، فكانت المغاربة إذا رأى الفارس منهم سحابا ساريا ترجّل عن فرسه ، وأومى إليه بالسلام ، ظانّين أنّ المعزّ في ذلك الغمام. ثمّ برز إلى النّاس بعد مضيّ سنة ، وجلس للحكم على عادته ، فعاجله الله في هذه السنة. وولي بعده ابنه العزيز أبو منصور نزار ، فأقام إلى أن مات سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة.
ومن غرائبه أنّه استوزر رجلا نصرانيّا يقال له عيسى بن نسطورس ، وآخر يهوديّا اسمه ميشا [٢] ، فعزّ بسببهما اليهود والنصارى على المسلمين في ذلك الزمان ، حتّى كتبت إليه امرأة في قصّة في حاجة لها تقول : بالذي أعزّ النصارى بعيسى بن نسطورس ، واليهود بميشا ، وأذلّ المسلمين بك ؛ لما كشفت عن ظلامتي [٣]! فعند ذلك أمر بالقبض على هذين ، وأخذ من النّصرانيّ ثلثمائة ألف دينار ، وولّى بعده ابنه الحاكم [٤] ، فكان شرّ الخليقة ، لم يل مصر بعد فرعون شرّ منه ؛ رام أن يدّعي الإلهيّة كما ادّعاها فرعون ، فأمر الرعيّة إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم صفوفا إعظاما لذكره ، واحتراما لاسمه ؛ فكان يفعل ذلك في سائر ممالكه حتّى في الحرمين الشريفين. وكان أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خرّوا سجّدا ؛ حتّى أنّه يسجد بسجودهم في الأسواق الرّعاع وغيرهم. وكان جبّارا عنيدا ، وشيطانا مريدا ، كثير التلوّن في أقواله وأفعاله ، هدم كنائس مصر ثمّ أعادها ، وخرّب قمامة [٥] ثمّ أعادها ، ولم يعهد في ملّة الإسلام بناء كنيسة في بلد الإسلام قبله ولا بعده إلا ما سنذكره.
[١] في الكامل لابن الأثير ٧ / ٦٦ : مولده بالمهدية يوم الاثنين حادي عشر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة ، وبويع بالخلافة في الغرب يوم الجمعة التاسع والعشرين من شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.
[٢] في الكامل لابن الأثير ٧ / ١٤٦ : منشا بن إبراهيم بن الفرار.
[٣] هذه القصة ذكرها ابن الأثير على أنها ملفقة من قبل المسلمين بسبب أذية النصارى واليهود لهم. [المصدر السابق].
[٤] في الكامل لابن الأثير ٧ / ١٧٧ : أبو علي المنصور ولقب الحاكم بأمر الله ـ وعمره إحدى عشرة سنة وستة أشهر.
[٥] كنيسة القيامة.