حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٢٧٠ - ذكر حمائم الرسائل
| فعند ما حظيت بالقرب أمّنها | فشرّفت بعطايا جلّ مهديها | |
| فما يحلّ لدى صيد تناولها | ولا ينال المنى بالنار مصليها | |
| ولا تطير بأوراق الفرنج ولا | يسير عنها بما فيه أمانيها | |
| سمت بملك المعاني غير ذي دنس | لا ترتضيهم ، ولو جزّت نواصيها | |
| وانظر لها كيف تأتي للخلائق من | آل الرّسول بحبّ كامن فيها | |
| من المقام إلى دار السّلام فلم | يمض النّهار بعزم في دواعيها | |
| وربّما ضلّ عنه الهند ملتقطاف | حبّات فلفله وارتدّ مبطيها | |
| فجاء في يومه في إثر سابقه | حفظا لحقّ يد طابت أياديها | |
| مناقب لرسول الله أيسرها | لدى نبوّته الغرّاء تكفيها |
ومن إنشاء القاضي الفاضل في وصف حمائم الرسائل :
سرحت لا تزال أجنحتها محمّلة من البطائق أجنحة ، وتجهّز جيوش المقاصد والأقلام أسلحة ، وتحمل من الأخبار ما تحمله الضمائر ، وتطوي الأرض إذا نشرت الجناح الطائر ، وتزوى [١] لها الأرض حتّى ترى ملك هذه الأمّة ، وتقرب من السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ولا همّة ، وتكون مراكب للأغراض وكانت والأجنحة قلوعا ، وتركب الجوّ بحرا تصفق فيه هبوب الرياح موجا مرفوعا ، وتعلّق الحاجات على أعجازها ، ولا تفوق الإرادات عن إنجازها ، ومن بلاغات البطائق استفادت ما هي مشهورة به من السجع ، ومن رياض كتبها ألفت الرياض فهي إليها دائمة الرّجع. وقد سكنت البروج فهي أنجم ، وأعدّت في كنائنها [٢] فهي للحاجات أسهم ، وكادت تكون ملائكة لأنّها رسل ، فإذا نيطت بالرّقاع ، صارت أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع. وقد باعد الله بين أسفارها وقرّبها ، وجعلها طيف خيال اليقظة الّذي صدّق العين وما كذّبها ، وقد أخذت عهود الأمانة في رقابها أطواقا ، فأدّتها من أذنابها أوراقا ، وصارت خوافي من وراء الخوافي ، وغطّت سرّها المودع بكتمان سحبت عليه ذيول ريشها الضّوافي ، ترغم أنف النّوى بتقريب العهود ، وتكاد العيون تلاحظها تلاحظ أنجم السعود ؛ وهي أنبياء الطير لكثرة ما تأتي بهم من الأنباء ، وخطباؤها لأنّها تقوم على الأغصان مقام الخطباء.
وقال في وصفها شيخ الكتّاب ذو البلاغتين السديد أبو القاسم شيخ القاضي الفاضل :
[١] تزوى لها الأرض : تنقبض.
[٢] مفردها الكنانة : جعبة السهام.