رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٥٢١ - فصل
إحسان «خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ».
و من الآراء الفاسدة و الاعتقادات الرديئة المؤلمة لنفوس معتقديها المعذّبة لهم رأي من رأى و اعتقد أن للعالم صانعين: أحدهما خيّر فاضل، و الآخر شرير رذل، و هما متجاوران مختلطان، أو متباينان متنازعان، كلّ واحد مخالف للآخر في شيء أو أشياء، طول الدهر كلّ واحد في جهد و عناء و بلاء من صاحبه، يريد غلبته و الخلاص منه. فمن يعتقد مثل هذا الرأي فهو لا يدري أين ذلك الخيّر الفاضل فيطلبه و يأوي إليه و يصيّره في خيره، و أين ذلك الشرير فيعرفه و يهرب من عذابه و يتخلص من شره و ينجو من جوره.
فهو يعيش طول عمره حيران متبلبلا، مؤتلمة نفسه، معذّبا قلبه، و جلا خائفا، لا يدري كيف وجه الخلاص مما هو فيه، و لا كيف وجه النجاة من المنقلب.
و من الآراء الفاسدة الرديئة المؤلمة لنفوس معتقديها رأي من يرى و يعتقد أن العالم محدث مصنوع و له صانع واحد حكيم، و لكن لا يرى البعث و النشور و القيامة و لا الحشر و الحساب و لا لقاء ربه! فمن يعتقد هذا الشأن فهو يرجو الوصول إلى الآخرة، و لا يؤمّل ثواب العمل و لا جزاء الإحسان، فيكون حال من يعتقد هذا الرأي و حكم نفسه في آلامها و عذابها و عذاب قلبه كحكم من يعتقد بأن العالم قديم و لا صانع له، كما تقدم ذكره، و إليه أشار بقوله تعالى: «إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا» رادّا عليهم قولهم.
ثم اعلم أن أسوأ الناس حالا و رأيا، و أشرّهم اعتقادا من لا يؤمن بيوم الحساب، و لا يرجو الآخرة، و لا يخاف العاقبة، و ذلك أنه يفني عمره كله في طلب الدنيا و إصلاح أمر المعاش لجرّ منفعة إلى جسده، أو دفع مضرّة عنه، أو نيل شهوة، أو الوصول إلى لذة متمنّيا للخلود في الدنيا، مع علمه و يقينه أنه لا يدرك فيها و لا يبقى هو له، و أنه لا بد من الموت، ثم لا يرجع و لا يرجو بعد الموت ثواب عمل، و لا جزاء إحسان، بل يموت