رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٣٧ - فصل في الفرق بين أصول الصنائع و العلوم و فروعها
باريميناس[١]، و السبعة التي في أنولوطيقا[٢]. فأما ما يتفرع من فنون المعاني، و ما يعرض فيها من غرائب المباحث، فبحر عميق قد تاه فيه أفهام كثير من الناظرين فيها، و تحيرت عقول كثير من الباحثين عنها، لدقة المعاني لهذه الصناعة، و عجيب أصولها و كثرة فروعها، و بعد مرامي أهلها، لأن من هذه الصناعة تعرف آداب الفلسفة، و أدب الحكم، و ميزان العقل، و مقاييس الحقائق التي تسمى البرهان.
فقد تبيّن مما ذكرنا أن لكل علم و صناعة أصولا متّفقا عليها بين أهلها، و كأنها في أوائل عقولهم ظاهرة بيّنة، و إن كان غيرهم بخلاف ذلك، مثال ذلك قول المهندسين: إن كل ضلعين من أضلاع المثلّث مجموعين هما أطول من الباقي، أي من الضلع الثالث، فإن هذه الحكومة عندهم كأنها في أوّلية عقولهم ظاهرة بيّنة. و أما قولهم إن الضلع الأطول من كل مثلّث يوتر الزاوية العظمى، فهو أدق و أخفى قليلا، فيحتاج فيه إلى تأمّل. و أما قولهم إن الزوايا الثلاث من كل مثلث مساوية لزاويتين قائمتين، فيحتاج فيه إلى برهان و مقدمات.
و هكذا أيضا صناعة المنطق فإن فيها أشياء كأنها في أوائل عقولهم ظاهرة بيّنة، و هو قولهم: الضّدّان لا يجتمعان في شيء واحد في زمان واحد، فإن هذه الحكومة بيّنة ظاهرة. و أما التي هي أدق من هذا و يحتاج فيها إلى البرهان فهي مثل قولهم: كون كل شيء فساد لشيء آخر.
و على هذا المثال يكون حالهم في المقولات عند أهل كل صناعة و علم و أدب و مذهب. يوجد أشياء كأنها في أوائل عقولهم، و أشياء أخر مثل ثوان و ثوالث و روابع بالغا ما بلغ. مثال ذلك أن الحكومات التي في كتاب
[١] -باريميناس: كتاب العبارة لأرسطو.
[٢] -انولوطيقا: كتاب القياس لأرسطو، و يقال له انولوطيقا الأولى. و له انولوطيقا الثانية، و هي كتاب صناعة البرهان.