رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٧٥ - فصل
يتيسر له معرفة اللّه كما قال النبي، صلى اللّه عليه و سلم: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه، و أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه» و قال تعالى: «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» و قال: «وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ» و قال «وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ» «قالُوا بَلَى شَهِدْنا». و قال: «ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ». قال أهل المعارف أشار بقوله تعالى: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ» يعني العارفين بأنفسهم لينتيه الجاهل من نوم غفلته.
فإن قيل: ما الحكمة في اختلاف أنواع النبات و أوراقها و ثمارها و فنونها و ألوانها، و طعومها، و روائحها، و طباعها المختلفة؟ قيل: لما فيها من كثرة المنافع للحيوانات المختلفة الصّور، المتغايرة الطباع، المفننة الأخلاق، الكثيرة المتصرّفات. فإن قيل: لم جعل في طباع بعض الحيوانات و جبلتها الألفة و الأنس و المودة؟ يقال: ليدعوها ذلك إلى اجتماع المعاون لما فيه من صلاحها و كثرة منافعها. و إن قيل: فما الحكمة في كون النفور و الوحشة و العداوة في جبلة بعض الحيوانات؟ يقال: لكيما يدعو ذلك إلى التباعد في الأماكن، و الانتشار في البلاد، لما فيه من صلاح حالها، و سلامتها من الآفات، و لكيلا تتزاحم في الأماكن، و يضيق بها التصرّف و الفسحة و رغدة العيش. ثم اجتمع الناس في المدن و القرى، و تزاحموا لشدة حاجتهم إلى معاونة بعضهم بعضا، لأن الإنسان لا يقدر أن يعيش وحده إلّا عيشا نكدا.