رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٦٦ - فصل
كان بقضاء اللّه و قدره و حكمه عليهم، و إن ما حكمه اللّه تعالى لا يقدر أحد على دفعه، فيكون هذا تسكينا لما سمع من ذكرهم و أفعالهم و أعمالهم و قبائح ما أتوه من أفعالهم، فوسوسوا لجهّال الناس و النساء خصوصا أن ما يفعلونه إنما هو محكوم عليهم به، لا يمكنهم دفعه، فجعلوا هذا الاعتقاد مذهبا، و أقدموا على المعاصي بهذه الحجة. و إن ردّ واحد قولهم، قيل له:
أنت كافر قدريّ[١]. فيقول: إنما قضاء اللّه تعالى و قدره، يمكن أن يحترز منه. و لم يعلموا ما القضاء و القدر، و لم يطلبوا علمه من أهله، و نشأ على ذلك الصغير، و اعتاده الكثير، و إلى حيث انتهينا هو مذهب أكثر العوامّ و بعض من عنده أنه متميّز. و إنما ذكرت هذا بحسب ما أوجبه ذكره في هذا الفصل.
ثم اعلم أن أصل العداوة في الدنيا و الدين الحسد كما قال اللّه تعالى: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.» و قال تعالى: «وَ مِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ.» فالحسد يخرب الديار و يوقع الفتن و يورث البغضاء و الحقد و الغضب و التعدّي و الظّلم و الجور و ما شاكل ذلك. و هو أيضا من أكبر الأسباب في اختلاف الآراء و المذاهب، و ذلك إذا اتخذ رجل مذهبا و مال الناس إليه و رغبوا فيما عنده، فيراه آخر من أبناء جنسه، فيحسده، و يحيل فكره و يعمل رأيه إلى أن ينحت له من الحجج و الكلام ما يفسد به ما أورده. و لا يزال يطعن عليه و يسعى في فساده و يلغط في أصله و وضعه.
فهذا يكون سبب الاختلاف و تكثّر المذاهب، مع اعتمادهم على صدق صاحب الشريعة الذي أنزل عليه القرآن.
و إذا صح ذلك لهم، كان في اختلافهم منفعة، لأن في العرب كثيرا ممن يخالف بعضهم في كثير من اللغة العربية، و إنما أراد اللّه تعالى إفهام الكل
[١] -القدري: من ينكر القدر.