رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٥٣٤ - فصل
فصل
و اعلم يا أخي أن حسن الخلق، و السّيرة العادلة هما من أخلاق الملائكة، و لكن بعضها في جبلة النفوس مركوزة فيها، و بعضها عادة جارية معتادة، و هكذا أيضا حكم الخلق السّوء و السيرة الجائرة هما من أخلاق الشياطين، بعضها جبلة مركوزة في النفس، و بعضها عادة جارية، و هي التي نشأ عليها الصبيان من الصّغر يتربّون من الصبى عليها، أو يأخذها الناس ممن يصحبه و يتربى معه من الآباء و الأمهات و الإخوة و الأخوات و الجيران و المعلّمين و الأستاذين.
و اعلم أنه ربما لا يتفق للإنسان هذه الأمور المحمودة من الصّغر على حسب ما ينبغي، و لكن يجب على العاقل أن يتفقد أحواله و أخلاقه و سيرته و عاداته و اعتقاداته، و يستبصر، فيترك ما كان فاسدا رديئا، و لا يتكلم على العادات الجارية، و لا يحتج بالطبع المركوز، بل يجتهد و ينظر و يميز و يبحث، فإن اللّه تعالى ما بعث الحكماء و الرسل و الأنبياء إلّا لإصلاح الأمور الفاسدة النابتة مع الطبائع الرديئة و العادات الجارية. و قد ذكر العلماء و الحكماء في كتب السياسات أنه ينبغي لكل إنسان أولا أن يبتدئ بإصلاح أخلاق نفسه و عاداته، فإذا عدّلها و استوت، فعند ذلك رام أن يصلح غيره. و قال، ٧: «كلّكم راع و كلّكم مسئول عن رعيّته». و قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ».
ثم اعلم أن أكثر الناس قد تركوا وصية ربهم و نصيحة نبيهم فيما أمرهم به من إصلاح ذات بينهم، و ما فيه نجاة نفوسهم من العذاب الأليم بما رسمه لهم من التعاون و التعاضد و التناصر و التحابّ و التودّد و الألفة فيما بينهم، و اشتغلوا بما نهوا عنه من ذكر عيوب بعضهم بعضا، و شنعة بعضهم على بعض، و صاروا فرقا و مذاهب و شيعا، و توقدت بينهم نيران العداوة و البغضاء إلى