رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٩٢ - فصل في بيان أنه لا يمكن وصول الأنفس الجزئية إلى الآخرة إلا بعد الورود إلى الدنيا
آثار حكمة اللّه، كما بيّنّا في رسالة تركيب الجسد و رسالة الإنسان عالم صغير.
ثم اعلم أن النفس إن لم تتمّ صورتها ما دامت مع الجسد، و لم تكمل فضائلها مع الجسد ما دامت في الدنيا، لم تنتفع في الدار الآخرة بعد الموت على التمام و الكمال، كما أنه إن لم تتمّ بنية الجسد في الرّحم و لم تكمل هناك صورته، لم ينتفع الإنسان في الحياة الدنيا.
و اعلم أن اللّه تعالى جعل الدين طريقا من الدنيا إلى الآخرة، و جعل في قوام الدين صلاحا للدنيا و الآخرة جميعا: و ذلك أن الدين له ظاهر و باطن، و قوامه بهما جميعا. فمن الناس من لا يريد بتمسكه بالدين إلّا صلاح الدنيا و منافعها، فيحرص في أحكام الدين و شريعته من الصلاة و الصوم و ما شاكلهما، و يرائي الناس و بذلك يطلب منافع الدنيا، فيكون في حفظه أحكام الدين قوام له، كما قيل: «إن اللّه ينصر هذا الدين فأقوام لا خلاق[١] لهم»! و من الناس من يريد الدنيا لطلب الآخرة و صلاح المعاد، فهم يزهدون في الدنيا، و يتركون الشرور، و يؤدّون الأمانات سرّا و إعلانا، و يعاملون الناس بالصدق و الورع من غير غشّ و لا دغل، و في ذلك صلاح أمر الدنيا و الآخرة جميعا.
ثم اعلم أن كلّ من أحدث في شريعة أصحاب النواميس حدثا من تغيير في أحكامها و تبديل في حدودها، و طلب بذلك عرض الدنيا، فإن صاحب الناموس هو خصمه يوم القيامة. و من فعل شيئا من ذلك و أراد به صلاح ذات البين- و لكن دخلت عليه شبهة من غير عناد و نفي أو طلب في سبب عرض الدنيا- فإن ذلك يغفر له و لا يؤاخذ به.
[١] -الخلاق: النصيب الوافر من الخير.