رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٧٦ - فصل في بيان الفرق بين القصد الأول و القصد الثاني على قول الحكماء
و نبات غذائهم و أمتعتهم، و ما يحتاجون إليه في أيام حياتهم؛ فمن أجل هذا خلقهم قرنا بعد قرن، و أمة بعد أمة، لأن الأرض لا تسعهم، و الهيولى لا تحملهم دفعة واحدة. فقد تبيّن مما ذكرنا أن النقصان ليس من قبل اللّه تعالى.
و علّة أخرى أيضا لأسباب الشرور. و ذلك أنه لما كانت هذه الكائنات يبتدئ كونها من أنقص الوجود و أضعف القوى مترقّية إلى أتم الحالات، و أكمل الغايات بأسباب معينة لها على النشوء و النمو، و مبلغة إلى أكمل غاياتها بعناية من اللّه تعالى، سمّيت تلك الأمهات خيرات، و كذلك كل سبب عارض بلوغها عن ذلك يسمّى شرّا، و هي عارضة لا بالقصد الأول، و المثال في ذلك ما تقدم ذكره من أمر الشمس و المطر.
فصل في بيان الفرق بين القصد الأول و القصد الثاني على قول الحكماء
فنقول: أما الخيرات التي تنسب إلى جبلة الحيوانات و ما في طباعها و أخلاقها و أفعالها بقصد منها و إرادة فهي بالقصد الثاني لا بالقصد الأول.
ثم اعلم أن معنى قول الحكماء: القصد الأول، و القصد الثاني، أن الفرق بينهما هو أن ما كان من قبل الباري تعالى من الإبداع و الإيجاد و الاختراع، و البقاء، و التمام و الكمال و البلوغ، و ما شاكل ذلك من الأوصاف يسمى القصد الأول. و القصد الثاني هو كل ما كان من قبل نقص الهيولى، إنه لم يجيء منها إلّا هذا، و لم يقبل إلّا هذا، و ما شاكل ذلك من الأوصاف.
و أما بيان أنواع الشرور، و المنسوب إلى بعض الحيوانات، و إلى الجبلة المركوزة فيها فنقول: إن الشرور التي تنسب إلى جبلة الحيوانات و ما في طباعها هي ثلاثة أنواع: فمنها الآلام التي تعرض لها دون سائر الموجودات.