رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٥٩ - فصل و أما الآخر من الخطأ الذي يطرأ عليهم
العقوبة و العذاب إلى يوم الوقت المعلوم: «قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ».
و هذه سنّة الفراعنة و حالهم في الدنيا و الدين الذين هم جنود إبليس أجمعون، الذين يأنفون من الدخول تحت أمر الأنبياء و الطاعة لهم، و يؤخّرون و يمهلون إلى يوم يموتون. فإذا ماتوا قامت قيامتهم و أخسئوا بالعذاب، فلا يزال ذلك دأبهم إلى يوم يبعثون، كما قال تعالى: «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ».
فقد تبين بما ذكرنا أن القائلين بقدم العالم لم يرتابوا و لم يضلّوا عن الصّراط من قلة العقل و البلاهة، أو ترك النظر و البحث، و لكن من الآفات العارضة، و الأخلاق الرديئة للنفوس، و الأسباب المختلفة، و الأمور المشكلة، و القصور عن التمام، و تركهم ما كان أخذه عليهم أوجب، و فعله بهم أولى؛ و تعاطيهم ما لم يكن من صناعتهم، و تكلّفهم ما لم يكن من قوّة نفوسهم.
فصل و أما الآخر من الخطأ الذي يطرأ عليهم
و ذلك أنهم أرادوا أن يعرفوا العلّة الفاعلة قبل معرفتهم المعلول، و إنما يعرف الصانع المحتجب الغائب عن إدراك الحواس، إذا عرف المصنوع المكشوف الظاهر، و إنما يعرف المصنوع بالنظر إلى الهيولى و اعتبار أحوالها، لأن في معرفة حقيقة الهيولى، و معرفة أحوالها، معرفة المصنوع، و في معرفة المصنوع معرفة الصانع. و قد بيّنّا في رسالة سمع الكيان ماهيّة الهيولى و حقيقتها و أحوالها، و لكن نذكر هاهنا من أمرها ما لا بدّ منه.