رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٥٥ - فصل في بيان الآراء الحكمية و هي نوعان دهرية أزلية و محدثة معللة
الجيّد، و الرأي الصواب، و الطريقة المختارة التي تصلح أن يتديّن بها كلّ الناس، و يعتقدها كل أحد من الخاصّ و العام جميعا، نريد أن نذكر طرفا من المذاهب المختلفة، و الآراء الذائعة، و ما الأسباب الداعية لأهلها إليها، و من أين انحرفوا عن الطريقة المستقيمة، و ضلوا عن الصواب، و وقعوا في الأباطيل، و نبدأ أولا بذكر الآراء الحكميّة و المذاهب البدعيّة، ثم نذكر علل اختلاف أهل الديانات و النواميس الإلهية في فروعها من السّنن و الأحكام.
فصل في بيان الآراء الحكمية و هي نوعان دهرية أزلية و محدثة معللة
فنقول: اعلم أن من هذين تفرّعت سائر الآراء الحكميّة و مذاهبها، فلنبدأ أولا بذكر الدّهريّة، ثم نقول: هؤلاء كانوا أقواما قد كان لهم من الفهم و التمييز قدر ما، فنظروا إلى الموجودات الجزئية المدركة بالحواسّ، و تأملوا و اعتبروا لها أحوالها، فوجدوا لكل مصنوع أربع علل: علّة هيولانية، و علة صورية، و علة فاعلية، و علة تماميّة. فلما فكروا في حدوث العالم و صنعته، طلبوا لها هذه الأربع العلل، و بحثوا عنها و هي هذه: ترى من عمله؟ و من أي شيء عمله؟ و كيف عمله؟ و لم عمله؟
و أيضا متى عمله؟ فلم يبلغ فهمهم إلى ذلك، و لم يتصوروه لقصور نفوسهم عن فهم دقّة معانيها، لأن الباحث عنها يحتاج إلى نفس زكيّة فاضلة في العلم و العمل، و يحتاج إلى ذهن صاف خلو عن الغش أو الدّغل، و نظر دقيق، و بحث شديد، ليدرك هذه العلل و معانيها و حقائقها، كما بيّنّا في رسالة المعارف. و لما نظروا في هذه المباحث و لم يعرفوها، دعاهم جهلهم و إعجابهم بآرائهم إلى القول بقدم العالم و أزليّته، و أنكروا العلّة الفاعليّة لما جهلوا الثلاث الباقية و لم يعرفوها.