رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤١٣ - فصل في بيان زيادة القوى التي في حواس الإنسان
ثم اعلم أن من هاتين الطريقتين أكثر معلومات الإنسان التي ينفرد بها دون سائر الحيوانات.
و اعلم أن بني الإنسان في هاتين القوّتين متفاوتو الدرجات تفاوتا بعيدا جدّا، و ذلك أن من الناس من لا يفهم إلّا لغة واحدة، و لا يعرف أيضا من معاني تلك اللغة، من الأشياء و الألفاظ و الأقاويل، إلّا شيئا قليلا. و من الناس من يفهم عدّة لغات و يحسن أن يقرأ عدّة كتابات، و يفهم من كل لغة أسماء و ألفاظا و أقاويل كثيرة، و يفهم معاني دقيقة، ما لا يفهم غيره من الناس. و هذه أحد أسباب اختلاف الناس في المعارف، و اختلاف العلماء في الآراء و المذاهب.
فأما بيان كمّيّة معلومات الإنسان حسبما نذكره هاهنا فنقول: إنه لما كان جميع معلومات الإنسان من جهة الزمان ثلاثة أنواع فحسب، فمنها ما قد كان مع الزمان الماضي، و منها ما سيكون في المستقبل، و منها ما هو كائن في الوقت و الزمان و الحاضر. و لما كان أحد الطرق، التي تعلّم الإنسان الأمور الماضية مع الزمان، استماع الأخبار، و كان ربّ مخبر كذاب، و ربّ مستمع له مصدّق، و هكذا أيضا ربّ مخبر صدوق، و ربّ مستمع له مكذب. و على هذا القياس أيضا حكم الأخبار عن الكائنات قبل كونها، و عن الأشياء الموجودة في الزمان الغائبة بالمكان. فهذا أيضا أحد أسباب اختلاف الناس في المعلومات، و اختلاف العلماء في الآراء و المذاهب.