رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٠٧ - فصل في بيان علة اختلاف إدراك القوى العلامة
و متى عرضت آفة كما يعرض في الأمراض الحادثة المفرطة- كما ذكر في كتب الطب- عوّقتها عن فعلها و تخيّلها رسوم المحسوسات، كما يعترض للمبرسمين[١] و صاحب الماليخوليا. و هكذا أيضا حكم القوّة المفكّرة المستبطنة وسط الدماغ، متى كان معتدلا على الأمر الطبيعي، سالما من الآفات العارضة، كان فكر الإنسان و رؤيته و تمييزه و فهمه على ما ينبغي. و متى عرضت هناك آفة لعارض من الأعراض، أو خروج عن الاعتدال، عوّقت النفس عن إشراف أحوالها و أفعالها التي هي الفكر و التمييز و الرويّة و التحصيل و ما شاكلها.
لأن هذا العضو من أشرف الأعضاء بعد القلب. و هكذا أيضا حكم القوة الحافظة المستبطنة مؤخّر الدماغ في التذكار و النسيان.
و إنما ذكرنا في هذا الفصل هذه الأشياء لأن من هذه القوى تكون معارف الحيوان كلّها، و من تعاون أدوات هذه القوى بالمعاونات اللائقة تزيد في قواها، و من تفاوتها يكون اختلاف معارفها في الجودة و الذكاء أكثر و أقلّ، و هي الأصل في جميع العلوم و المعارف. و من تفاوت أفعال هذه القوى يكون أكثر اختلاف الناس في معلوماتهم، و منازعات العلماء في آرائهم و مذاهبهم.
و خصلة أخرى أيضا أن كثيرا من العلماء ممن ينظر في علوم النفس و يتكلم في أحوالها يظن أن لها قوى و أفعالا و أخلاقا مختلفة تفعل بها اختلافات مختلفة، و لا يدرون أنّ اختلاف أحوالها و أخلاقها إنما هو من جهة اختلاف أدواتها في الهيئة و الجودة و الرداءة التي كل واحد منها عضو من الجسد، كما بيّنّا ذكرها، و خصلة أخرى أن كثيرا من العلماء الطبيعيين و المنطقيين لما اعتبروا هذا الرأي الذي ذكرنا من أن النفس إنما هي مزاج البدن، لما رأوا من تغيير أفعال الحيوان و أخلاقها عند تغيير مزاج الأعضاء، و اختلاف هيئاتها، و خاصّة تغيير أفعال الإنسان و أخلاقه عند الأمراض، و عند تغيير مزاج هذه
[١] -المبرسمين: المصابين بالبرسام، و هو التهاب في الحجاب الذي بين الكبد و القلب.