رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٦٩ - فصل
و جعل النفس النباتية في ذلك خادمة للنفس الحيوانية، و مسخّرة لها. و هكذا أيضا لما كانت رتبة النفس الحيوانية أنقص و أدون من رتبة النفس الإنسانية، جعلت خادمة و مسخّرة للنفس الإنسانية الناطقة. و هذه الحكمة التي ذكرناها كلية بيّنة ظاهرة للعقول السليمة. فنقول على هذا الحكم و القياس: لما كان بعض الحيوانات أتمّ خلقة و أكمل صورة كما بيّنّا قبل هذا، جعلت النفس الناقصة منها خادمة و مسخّرة للتامة منها الكاملة، و جعلت أجسادها غذاء و مادّة للأجساد الناطقة منها و سببا لبقائها، لتبلغ إلى أتم غاياتها و أكمل نهاياتها، كما جعل جسم النبات غذاء لجسم الحيوان، و مادة لبقائه، و سببا لكماله.
و كما أنه لما كانت النفس النباتية أدون رتبة من النفس الحيوانية، جعلت خادمة للنفس الحيوانية و مسخّرة لها في رتبتها، غذاء لها و مادة لأجسادها، فهكذا جعل حكم نفوس الحيوانات الناقصة خادمة لنفوس الحيوانات التامّة الخلقة، الكاملة، و مسخرة لها لكيما تربي أجسامها و تنميها و تسلّمها إلى الحيوانات التي هي أكمل منها و أشرف، ليكون ذلك غذاء لأجسادها، و مادّة لأبدانها، و سببا لبقاء أشخاصها زمانا ما أطول ما يمكن، و علة لتوالد نسلها و بقاء صورتها. لأن هيولى الأشخاص دائما في الذوبان و السيلان، فيحتاج إلى بدل ما يتحلل من الأشخاص. فإذا قد تبين بما ذكرنا ما العلة في أكل الحيوانات بعضها بعضا. فأما المنفعة العامة و الصلاح الكليّ في أكل الحيوانات بعضها بعضا فهو أنه لو لم يكن لامتلأ وجه الأرض و قعر البحار و جوف الأنهار من جيف الحيوانات المنتنة في كل يوم على ممرّ الدهور، و لفسد جوّ الهواء، و عرض من ذلك الوباء للأحياء منها، و هلكت كلّها دفعة.
و علة أخرى: و ذلك أن اللّه لما خلق الأحياء، إمّا لجرّ منفعة أو لدفع مضرّة عنها، لم يترك شيئا بلا نفع و لا عائدة. فلو لم يجعل أكل بعض الحيوانات بعضها بعضا، لكان بعض الحيوان باطلا بلا فائدة، و كان يعرض منها ضرر عامّ و هلاك كلّيّ، كما ذكرنا آنفا. فأما الآلام و الأوجاع و الفزع الذي