رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٠٩ - فصل في بعث الأجساد
و أما الخامس فهو شدة الحاجة إلى المواد التي لا قوام لهذا الهيكل إلّا بها، من المأكولات و المشروبات و اللباس و المسكن و المركب و الاثاث، و ما لا بدّ منه في قوام الحياة الدنيا، و ما نقاسي من الجهد و البلوى في طلبها، ليلنا و نهارنا، في تعلّم الصنائع و التجارات المتعبة، و المكاسب المكدّة من الحرث و الزرع، و البيع و الشّراء، و المناقشة في الحساب، و الحرص و الشره، و جمع الأموال، و حفظها من حيل اللصوص و مكابرة القطّاع، و أخذ السلطان لها بالجور و الظّلم، و حراستها من الآفات العارضة التي لا يحصى عددها.
كلّ ذلك بالكدّ و العناء، و الهموم و الغموم، و تعب الأبدان، و عناء الأرواح، و شقاء النفوس التي لا راحة لنا منها إلى الممات.
فهذه حالنا يا أخي، و حال أكثر أبناء جنسنا في هذه الحياة الدنيا، فأما من يريد المقام في الدنيا، و يتمنى الخلود فيها مع هذه الآفات كلها، فهو من أجل إحدى خلّتين: إما أنه لا يؤمن بالآخرة، و لا يصدّق بالمعاد، و لا يتصوّر الوجود إلّا هكذا، و يظن و يتوهّم أن بعد الموت عدما أو شرّا محضا! فمن أجل هذا الرأي و هذا الاعتقاد يريد المقام في الدنيا، و يتمنى الخلود فيها، مع هذه الآفات كلّها، و يكون معذورا في تمنّيه و إرادته الخلود، لأن في جبلة الخلائق و في طبائع الموجودات محبّة البقاء، و كراهية الفناء. مذكور ذلك.
فمن أجل هذه الخصال و الشرائط يرضى أكثر أبناء الدنيا المقام فيها، و يتمنون الخلود.
فأما من قد تصوّر كيفيّة الدار الآخرة، و تحقّق أمر المعاد، و عرف فضلها و شرفها، و سرورها و لذاتها، و نعيمها، فأيّ عذر له في التمني للخلود في الدنيا، مع ما قد عرف من آفاتها و شرورها، و أحزانها و مصائبها و بلياتها.
فاجتهد، يا أخي، في طلب معرفة الدار الآخرة و حقيقة أمر المعاد لكيما تساق نفسك إليها، بعد الفراق، مع أهلك زمرا، كما ذكر اللّه جل ثناؤه بقوله:
«وَ سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً».