رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٠٨ - فصل في بعث الأجساد
و الصدقات الواجبات، و مشقّة الأسفار و الأحكام عند قضاء الحج و الجهاد؛ و ما نقاسي من الألم عند ترك اللذات و الشهوات المحرّمات! و إن لم نأتمر و لم ننته، فالحدود و الأحكام بحسب الجنايات؛ و مع هذه كلها «كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ.» فهذه حالنا، ليس لنا منها خلاص و لا نجاة إلى الممات! فهذه ثلاثة.
و أما الرابع فهذا السلطان المسلّط الجائر الذي قد ملك رقاب الناس بالقهر و الغلبة، و استعبدهم جبرا و كرها، يتحاكم عليهم كما يشاء، و يرفع و يكرم من يريد ممن يخدمه و يطيعه، و يتصرّف بين يديه و يمتثل أمره و نهيه، و يضع و يبعد من خالفه، و يعذّب و يقتل من خانه أو غشّه! فإذا خرجنا من مملكته، و فررنا من سلطانه، فلا عيش لنا في الوجود في هذه الدنيا، إلّا عيشا نكدا، لأننا قد نحتاج في لذّة العيش و صلاح المعاش إلى الجمّ الغفير من المتعاونين في المدن و القرى، في إصلاح أمر المعاش، و لا بدّ لهم من سلطان يملكهم و يرئسهم، و يحكم بينهم فيما يختلفون فيه و يتنازعون، و يمنع الظالم القويّ من التعدّي على الضعيف المظلوم، و يأمن لخوفه السّبل، و يأخذ الناس بلزوم سنّة الناموس، و تأدية موجبات فرائضه التي في إقامتها و حفظها صلاح الجميع. فلهذه العلّة و بهذا السبب لا يمكننا الخروج من المملكة، و لا الفرار من سلطانه. فإن خدمناه و قمنا بواجب طاعته، فما نقاسي من الجهد و البلوى أكثر مما يحصى، من تعب الأبدان، و هموم النفوس، و عناء الأرواح، و تلف الأجساد، و احتمال الذلّ و شماتة الحسّاد، و مداراة الإخوان، و عداوة الأقران، و مشقة الأسفار، و مخاوف الحروب، و ما يتكلّف من التعب و العناء في جميع الآلات و الأثاث من السلاح و الدّوابّ و حوائجها و مرافقها مما لا يحصى عدّها كثرة، و ليس لنا منها راحة إلى الممات.
فهذه أربعة.