رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٠ - فصل
و إيراد النكت التي هي اللّب، و لا يفهم ذلك إلا بأمثال تضرب، ليقرب من فهم المبتدي النظر في العلوم، و يسهل تصوّر الحقائق للمتأملين.
ثم اعلم أن العلوم الحكميّة و الشريعة النبوية كلاهما أمران إلهيّان يتفقان في الغرض المقصود منهما الذي هو الأصل، و يختلفان في الفروع. و ذلك أن الغرض الأقصى من الفلسفة هو ما قيل إنها التشبه بالإله بحسب طاقة البشر، كما بيّنّا في رسائلنا أجمع. و عمدتها أربع خصال: أولاها معرفة حقائق الموجودات، و الثانية اعتقاد الآراء الصحيحة، و الثالثة التخلّق بالأخلاق الجميلة و السجايا الحميدة، و الرابعة الأعمال الزكية و الأفعال الحسنة.
و الغرض من هذه الخصال هو تهذيب النفس و الترقّي من حال النّقص إلى التمام، و الخروج من حدّ القوة إلى الفعل بالظهور، لتنال بذلك البقاء و الدوام و الخلود في النّعم مع أبناء جنسها مع الملائكة.
و هكذا الغرض من النّبوة و الناموس هو تهذيب النفس الإنسانية و إصلاحها و تخليصها من جهنم عالم الكون و الفساد، و إيصالها إلى الجنة و نعيم أهلها في فسحة عالم الأفلاك و سعة السماوات، و التّنسّم من ذلك الرّوح و الريحان المذكور في القرآن. فهذا هو المقصود من العلوم الحكمية و الشريعة النبوية جميعا.
و أما اختلافهما في الطرق المؤدّية إليها فمن أجل الطبائع المختلفة و الأعراض المتغايرة التي عرضت للنفوس، و بذلك اختلفت موضوعات النواميس، و سنن الديانات، و مفروضات الشرائع، كما اختلفت عقاقير الأطباء و علاجاتها، بحسب اختلاف الأمراض العارضة للأجساد من الآلام و الأوجاع، و بحسب اختلاف الأزمنة و الأمكنة.
و مثال آخر في اختلاف سنن الديانات النبوية و الفلسفية جميعا، و فنون مفروضات النواميس، و المقصد وحد، كاختلاف طرقات القاصدين نحو