رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٩٥ - الرسالة السابعة من النفسانيات العقليات في البعث و القيامة(و هي الرسالة الثامنة و الثلاثون من رسائل إخوان الصفاء)
الغريزية، كما يطفأ السراج إذا فني الدّهن، فعند ذلك لا يمكن أن يعيش الإنسان، و لا يفعل شيئا من الأفعال و الأعمال، لأن البدن للنفس بمنزلة الدّكّان للصانع، و الأعضاء بمنزلة الأدوات. فإذا كلّت آلات الصانع، أو انكسرت، أو خرب الدكان و انهدم، فإن الصانع لا يقدر على عمل شيء من صنعته، إلّا أن يتّخذ دكّانا آخر و أدوات مجدّدة.
و أما ترك النّفس استعمال الجسد لسبب عرضي فهو كثير الفنون، و لكن يجمعها نوعان: فمنها أسباب من داخل الجسد، بلا اختيار، كالأمراض و الأعلال المتلفة للجسد. و منها أسباب من خارج كالذبح و القتل. و القتل ليس هو شيء سوى أن يقصد قاصد فيهدم بنية الجسد بضرب من الفساد و الخراب، كما يقصد إنسان فيخرب دار إنسان أو دكّانه.
و اعلم يا أخي أن كل صانع حكيم، إذا فكّر في أمره، و نظر في العواقب، علم أنه لا بد أن يخرب يوما دكّانه، و تكلّ أدواته، و تضعف قوة بدنه، و تذهب أيام شبابه. فمن بادر و اجتهد قبل خراب الدّكّان، و كلال الأدوات، و ذهاب القوة، فاكتسب مالا بصنعته في دكانه، و استغنى عن السعي، فإنه لا يحتاج، بعد ذلك، إلى دكان آخر، و لا أدوات مجدّدة، بل يستريح من العمل، و يشتغل بالتمتع و اللذات بما قد كسب، فهكذا يكون حال النفس بعد خراب الجسد.
فانظر يا أخي و تفكّر و بادر و اجتهد و تزوّد قبل خراب هذا الدكان، و انهدام هذه البنية «فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى».
و اعلم يا أخي، أيّدك اللّه و إيانا بروح منه، أن مواهب اللّه، عزّ و جل، لعباده كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه تعالى. فمن جليل مواهبه، و عظيم نعمه، و جزيل إحسانه و مننه على الإنسان، العقل الراجح و الرأي الرصين، و التمييز الصحيح، التي لها نتائج العلوم الحقيقة، و وجدان المعارف الروحانية، و التأله الرّبّاني.