رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٩٤ - الرسالة السابعة من النفسانيات العقليات في البعث و القيامة(و هي الرسالة الثامنة و الثلاثون من رسائل إخوان الصفاء)
و اعلم يا أخي أن معرفة أمر الآخرة، على الحقيقة، في معرفة أمر الدنيا، لأنهما من جنس المضاف، و من خاصّة جنس المضاف أن في معرفة أحد المضافين معرفة الآخر. فالدنيا باسمها تدلّ على اسم الأخرى أن الدنيا مشتقّ من الدّنوّ، و الآخرة مشتقّ من التأخّر. فالدنيا هي أول معلوماتنا، و أحوالها أول محسوساتنا، و شعورنا من أجسادنا، و مشاهدتنا أحوال أجسامنا و أبناء جنسنا. و هذه كلها قبل معرفتنا بنفوسنا، و مشاهدتنا عالمها، و عرفاننا أبناء جنسها، و وجداننا لذات معقولاتها، لأن هذه تحصل لنفوسنا بعد مفارقتها أجسادها، كما حصلت تلك لنا بعد ولادة أجسادها، لأن مفارقة النفس الجسد هي ولادة لها، كما أن مفارقة الجنين للرّحم ولادة الجسد.
و اعلم يا أخي أن الحياة الدنيا إنما هي مدّة كون النفس مع الجسد في عالم الأجسام إلى وقت المفارقة التي هي الممات. و أما الدار الآخرة فهي عالم الأرواح التي هي الحيوان، لو كانوا يعلمون، أي أبناء الدنيا، و هو كون النفس في عالمها بعد مفارقتها جسدها، ما بقيت السماوات و الأرض، كما ذكر اللّه تعالى في كتابه فقال اللّه تعالى: فأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض، و أما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير و شهيق خالدين فيها ما دامت السماوات و الأرض. و قد بيّنّا في رسالة الآلام كيف يكون عذاب الأشقياء في الآخرة، و كيف تكون لذات السعداء هناك.
و اعلم يا أخي أن الموت ليس هو شيء سوى ترك النفس استعمال الجسد، و أن النفس تترك استعمال الجسد لسببين اثنين: أحدهما طبيعي و الآخر عرضي. و السبب الطبيعي هو أن يهرم الجسد على طول الزمان، و تضعف البنية، و تكلّ آلات الحواس، و تسترخي الأعصاب. و العضلات المحرّكات للأعضاء، و تجفّ الرطوبة المغذّية للبدن، و تطفأ الحرارة