رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٩٣ - الرسالة السابعة من النفسانيات العقليات في البعث و القيامة(و هي الرسالة الثامنة و الثلاثون من رسائل إخوان الصفاء)
«نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ» فقال اللّه تعالى: «وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ» لأنهم لو سئلوا ما الدهر، لعجزوا عمّا هو الدهر في البيان، و ما دروا ما الدهر.
و اعلم يا أخي أن المقرّين بالآخرة طائفتان من الناس: إحداهما الذين يقرّون بها بألسنتهم من غير تصوّر منهم لها بقلوبهم، و لا معرفة بحقيقتها بعقولهم، فإقرارهم إيمان و تسليم لقول الأنبياء، عليهم الصلاة و السلام، و تقليد لهم فيما يقولون و يخبرونهم عنها. و الطائفة الأخرى الذين هم مع إقرارهم بها و تصديقهم للأنبياء، عليهم الصلاة و السلام، متصوّرون لها بقلوبهم، عارفون حقيقتها بعقولهم، و قد مدح اللّه تعالى كلتا الطائفتين جميعا و أثنى عليهم بقوله، جل ثناؤه: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ». و لكن فضّل اللّه إحداهما على الأخرى بقوله: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ».
و اعلم يا أخي أن العلم هو تصوّر الشيء على حقيقته و صحته، فأما الإيمان فهو الإقرار بذلك الشيء و التصديق لقول المخبرين عنه من غير تصوّر له.
فالأنبياء، :، و أولياؤهم هم المخبرون عن الآخرة، المتصوّرون لها بقلوبهم، و العارفون حقيقتها بعقولهم. و المؤمنون هم المقرّون بالآخرة بألسنتهم، المصدّقون الأنبياء، عليهم الصلاة و السلام، في أخبارهم، المنتظرون لكشفها لهم.
و اعلم يا أخي أن المنتظرين لأمر الآخرة طائفتان من الناس: إحداهما ينتظر كونها و حدوثها في الزمان المستقبل، عند خراب السماوات و الأرضين، هم لا يعلمون من الأمور إلّا المحسوسات، و لا من الجواهر إلّا الجسمانيات، و لا من أحوالها إلّا ما ظهر. و الطائفة الأخرى ينتظرونها كشفا و بيانا و اطّلاعا عليها، و هم الذين يعرفون الأمور المعقولة، و الجواهر الروحانية، و الحالات النفسانية.