رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٩٠ - الرسالة السابعة من النفسانيات العقليات في البعث و القيامة(و هي الرسالة الثامنة و الثلاثون من رسائل إخوان الصفاء)
أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها.» و قال تعالى: «يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ.» و قال أيضا:
«إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي.» و قال جل و عز: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى.» و آيات كثيرة في القرآن في ذكر النفس و خطابها بالتأنيث، ليعلم كلّ عاقل أنها هي شيء غير الجسد، لأن الجسد مذكّر لا يخاطب بالتأنيث، فكفى بهذا فرقا و بيانا بين النفس و الجسد.
و قد يعلم كل عاقل، إذا تأمّل و تفكّر في أمر الجسد، أنه جسم مؤلف من اللحم، و الدم، و العروق، و العصب، و العظام، و ما شاكلها، و أصله نطفة و دم انطمس؛ ثم اللبن و الغذاء و المأكولات و المشروبات؛ ثم آخر الأمر الموت، و بعد مفارقة النفس إيّاه يبلى و يصير ترابا، ثم يعاد خلقا جديدا، إذا شاء اللّه كما وعد، جلّ ثناؤه.
فأما النفس، يعني الروح، فهي جوهرة سماوية، نورانيّة، حيّة، علّامة فعّالة بالطبع، حسّاسة درّاكة لا تموت و لا تفنى، بل تبقى مؤبّدة؛ إمّا ملتذّة و إمّا مؤتلمة. فأنفس المؤمنين، من أولياء اللّه و عباده الصالحين، يعرج بها بعد الموت إلى ملكوت السماوات، و فسحة الأفلاك، و تخلّى هناك، فهي تسبح في فضاء من الروح، و فسحة من النور، و روح و راحة إلى يوم القيامة، الطامّة الكبرى. فإذا انتشرت أجسادها، ردّت إليها، لتحاسب و تجازى بالإحسان إحسانا، و السيئات غفرانا.
و أما أنفس الكفار و الفسّاق و الأشرار فتبقى، في عماها و جهالاتها، معذّبة متألّمة، مغتمّة حزينة، خائفة و جلة، إلى يوم القيامة. ثم تردّ إلى أجسادها التي خرجت منها، لتحاسب و تجازى بما عملت من سوء.
و الدليل على صحة ما قلنا، و حقيقة ما وصفنا، قول اللّه سبحانه: «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ