رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٧٠ - الرسالة السادسة من النفسانيات العقليات في ماهية العشق(و هي الرسالة السابعة و الثلاثون من رسائل إخوان الصفاء)
إذ كان هذا أمرا موجودا في العالم، مركوزا في طباع النفوس، دائما لا يعدم البتّة، ما دامت الخليقة موجودة.
و اعلم يا أخي أن من الحكماء من قد ذكر العشق و ذمّه، و ذكر مساوىء أهله و قبح أسبابه، و زعم أنه رذيلة. و منهم من قال إن العشق فضيلة نفسانيّة، و مدحه، و ذكر محاسن أهله، و زيّن أسبابه. و منهم من لم يقف على أسراره و علله و أسبابه بحقائقها و دقّة معانيها، فزعم أنه مرض نفساني.
و منهم من قال إنه جنون إلهي. و منهم من زعم أنه همّة نفس فارغة.
و منهم من زعم أنه فعل البطّالين الفارغي الهمم الذين لا شغل لهم.
و لعمري إن العشق يترك النفس فارغة من جميع الهمّ إلّا همّ المعشوق، و كثرة الذّكر له و الفكرة في أمره، و هيجان الفؤاد، و الوله به و بأسبابه.
و لكن ليس ذلك من فعل البطّالين الفرّاغ كما زعم من لا خبرة له بالأمور الخفيّة، و الأسرار اللطيفة، و لا يعرف من الأمور إلّا ما تجلّى للحواسّ و ظهر للمشاعر. و أما الذي يدرك منها بصفاء الذّهن و جودة التمييز، و كثرة الفكر، و شدّة البحث، و دقّة النظر، فهم عنها بمعزل. و ذلك أن الذين زعموا أن العشق هو مرض نفساني، أو قالوا إنه جنون إلهي، فإنما قالوا ذلك من أجل أنهم رأوا ما يعرض للعشاق من سهر الليل، و نحول الجسم، و غؤور العيون، و تواتر النّبض و الأنفاس الصّعداء، مثل ما يعرض للمرضى، فظنوا أنه مرض نفسانيّ.
و أما الذين زعموا أنه جنون إلهي فإنما قالوه من أجل أنهم لم يجدوا لهم دواء يعالجونهم به، و لا شربة يسقونها إياهم فيبرءون مما هم فيه من المحنة و البلوى إلّا الدعاء للّه بالصلاة و الصدقة و القرابين في الهياكل ورقى الكهنة و ما شاكل ذلك كما حكى العاشق بقوله، و هو عروة بن حزام قتيل الحب: