رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢١١ - فصل
الباقي إلى البحار و يختلط بمياهها المالحة، ثم يصير بخارا و يرتفع في الهواء، و يتركب و يتكاثف و يصير غيوما و سحابا تسوقها الرياح إلى رءوس الجبال و البراري و القفار، فتمطر هناك و تسيل منها أودية و أنهار، و تجري نحو البحار راجعة من الرأس، و يكون منها البخار و الغيوم مثل ما كان عام أول، دولاب يدور. و «ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» و هكذا حكم النبات و الحيوان و المعادن، فإنها تتكوّن من هذه الأركان؛ و تنشأ و تتم و تكمل، ثم تفسد و تبلى و تصير ترابا كما كانت بديّا. ثم إن اللّه تعالى ينشئ منها ما يشاء، كما بدأ أولا يعيده مرة أخرى دولابا يدور. و كذلك إذا نظرت و تأملت و اعتبرت وجدت أكثر ثمار الأشجار و حبوب النبات و بذورها و أوراقها مستديرات الأشكال، أو كريّات أو مخروطات قريبة من الاستدارة.
و هكذا الثّقب التي في أبدان الحيوان إلى الاستدارة أقرب ما تكون.
و هكذا أشكال أواني الناس، و أدوات الصّنّاع و أرحيتهم[١]، و دواليبهم، و آبارهم، و الكيزان، و الغضائر[٢] و القدور، و الأقداح، و القصاع، و الخواتم، و القلانس، و العمائم، و الحلى، و التيجان أقرب إلى التدوير.
فاعلم ذلك أيها الأخ، و تفكر فيه، أعانك اللّه على المعرفة بحقائق الأشياء بمنّه و لطفه. و صلى اللّه على النبي الخاتم، و على الوصيّ القائم، و على أولاده و بنيه و عترته آباء الأئمة المهتدين و أمراء المؤمنين الموحّدين، و سلم تسليما.
و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.
تمت رسالة المبادي العقلية و تتلوها رسالة في معنى قول الحكماء: إن العالم إنسان كبير
[١] -الارحية: جمع الرحى.
[٢] -الغضائر: جمع الغضارة و هي القصعة الكبيرة.