رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٤٣ - فصل
فزادوا فيها و عرفوها و مهروا فيها و ألفوها و اعتادوها. و بعث اللّه فيهم من الأنبياء، :، و أقام فيهم من الحكماء من أظهر فيهم الصنائع، و كثرت بينهم الصّنّاع و المتعلمون و العلماء و الأستاذون، و عمرت الأرض و انتقلت أخبار بعضهم إلى بعض. و لم تزل الحروف تزيد و يظهر الشيء بعد الشيء، و صناعة الكتابة تتسع و تتفرّع إلى أن كمل عدد الحروف ثمانية و عشرين حرفا، ثم وقفت على هذا العدد و لم تزد على ذلك. و ذلك أن هذا العدد من الأعداد التامّة، و الأعداد التامّة أفضل من الأعداد الزائدة و الناقصة، و ذلك أن هذا العدد عزيز الوجود، و أنه يوجد منها في كل مرتبة من مراتب الأعداد عدد واحد لا غير، كالستة في الآحاد، و ثمانية و عشرين في العشرات، و أربع مائة و ستة و تسعين في المئات، و ثمانية آلاف و مائة و ثمانية و عشرين في الألوف. و أيضا إن هذا العدد يمكن أن يقسم بالسويّة مرة أو مرتين.
و كانت صناعة الكتابة في اللغة العربية خاتمة الكتابات و تمام عدد الحروف، كما أن شريعة الإسلام آخر الشرائع كلّها، و محمد، عليه الصلاة و السلام، خاتم النبيّين و أصحاب الشرائع، و على شريعته تقوم القيامة.
فصل
ثم اعلم أن الحكيم واضع الخط العربي اقتفى فيما وضعه من ذلك آثار حكمه اللّه تعالى و كان حكيما فاضلا. و قيل إن الحكمة هي النسبة بالإله بحسب طاقة البشر. و معنى هذه الحكمة أن يكون الرجل حكيما في مصنوعاته، متحققا في معلوماته، خبيرا في أفعاله. فوضع ذلك على موجب الحكمة في العالم لتكون حروف (ا ب ت ث) و هي حروف الجمّل مشتملة على كل الأشياء، مطابقة للأعداد الموجودات في الأصل و ما تتفرع منه و يحدث عنه مما لا يحصي ذلك إلّا اللّه تعالى.