رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٣٩ - فصل في معرفة الأصوات من جهة طبيعة الإنسان و الحيوانات و اختلافهم فيها
فصل في معرفة الأصوات من جهة طبيعة الإنسان و الحيوانات و اختلافهم فيها
فنقول: اعلم أن أمزجة الأبدان كثيرة الفنون، و طبائع الحيوانات كثيرة الأنواع، و لكل مزاج و طبيعة نغمة مشاكلة و لحن ملائم لها لا يحصي عددها إلّا اللّه تعالى. و الدليل على ذلك أنك إذا تأملت وجدت لكل أمّة من الناس ألحانا و نغمات و أصواتا يستلذونها و يفرحون بها لا يستلذها غيرهم و لا يسرّ بها سواهم، و ذلك لاختلاف لغاتهم و تباين أمزجتهم و طباعهم و ما جرت به العادات و الأخلاق. و هكذا يجري في أصحاب لغة واحدة: أقوام يستلذون ألحانا و نغمات و أصواتا لا يستلذها غيرهم من لغتهم، و هكذا ربما تجد إنسانا واحدا يستلذ وقتا لحنا ما و يعافه وقتا آخر. و هكذا تجد حكمهم في مأكولاتهم و مشروباتهم و مسموعاتهم و ملبوساتهم و سائر الأنواع من الملاذّ و الزينة، كلّ ذلك بحسب تغيير أمزجتهم و اختلاف طبائعهم و ما جرت به عاداتهم، و ما تولّاهم من الأسباب الفلكيّة و الأحكام السماوية في أوقات مواليدهم و مساقط نطفهم.
و كذلك تجد الحيوانات ربما استلذت بعض الأصوات و أنست بها و جاءت إلى المواضع التي تكون فيها، فإن بعض صيادي الطيور و متّخذي آلة الصفير يصفرون و يحاكون بها صوتا لبعض أجناس الطيور، فتجتمع إليه و تدور حوله، فربما تقع في شباكهم.
و كذلك ما يستعمله الجمّالون من الحداء و النغمات التي إذا سمعتها الجمال في ظلمة الليل أنست بها و نشطت للسير و المشي و خفت عليها الأثقال. و يستعمل مثل ذلك رعاة الأغنام و المواشي و الخيل عند ورودها الماء أنواع الصفير، و يستعملون غناء آخر عند حلب ألبانها. و كل ذلك بحسب مناسبات تقع في