صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢٥١ - بيان علماء الدين (الروحانية)
بعد من كمّ العدم إلى الوجود، كيف لي أن اصف قافلة سادة الوجود؟ أنا وأمثالي، لم نسمع من هذه القافلة غير صوت الاجراس فحسب، ونتغاضى عن ذلك ونمضي.
لا شك في أن الحوزات العلمية والعلماء الملتزمين كانوا على مرّ تاريخ الإسلام والتشيع أهم قاعدة إسلامية محكمة في وجه الحملات والانحرافات والسلوك المتطرف. فقد سعى علماء الإسلام الكبار طوال عمرهم، إلى نشر مسائل الحلال والحرام الإلهي دون تدخل أو تصرف. ولو لم يكن الفقهاء الأعزاء لما كان معلوماً أية علوم كانت تقدم اليوم إلى الناس بوصفها علوم القرآن والإسلام وأهل البيت عليهم السلام. إن جمع وحفظ علوم القرآن والإسلام وسنة الرسول الأكرم وسيرته وسيرة المعصومين عليهم السلام وتدوينها وتبويبها وتنقيحها لم يكن عملًا سهلًا في ظروف كانت الإمكانيات قليلة جداً وقد سخر السلاطين والظالمون كل إمكانياتهم لمحو آثار الرسالة. حيث نرى اليوم ولله الحمد ثمرة تلك الجهود في آثار ومؤلفات مباركة نظير (الكتب الأربعة) [١] والمصنفات الأخرى للمتقدمين والمتأخرين في الفقه والفلسفة والرياضيات والنجوم والأصول والكلام والحديث وعلم الرجال، والتفسير والأدب والعرفان واللغة وجميع فروع المعرفة. فإذا لم نسمي كل هذه الجهود والمعاناة جهاداً في سبيل الله، فماذا ينبغي أن نسميه إذن؟ ان ثمة حديث طويل عن الخدمات العلمية الفذة للحوزات الدينية لا يتسع المجال هنا لذكره. فالحوزات العلمية من حيث المصادر وأساليب البحث والاجتهاد، غنية للغاية وحافلة بالإبداع. ولا اتصور وجود طريقة أنسب من نهج علماء السلف في دراسة العلوم الإسلامية باسلوب معمق. إن تاريخ أكثر من ألف عام من البحث والتحقيق والتتبع لعلماء الإسلام الصادقين، على طريق رعاية ونمو غرسة الإسلام المقدسة، خير شاهد على ادعائنا. فعلى مدى مئات الأعوام كان علماء الإسلام ملاذ المحرومين، حيث ارتوى المستضعفون من كوثر زلال معرفة الفقهاء العظام على الدوام. وإذا ما تجاوزنا جهادهم العلمي و الثقافي الذي يعتبر التي تعتبر بحق أفضل من دماء الشهداء [٢] في بعض الإبعاد، فانهم ومن أجل الدفاع عن مقدساتهم الدينية والوطنية عانوا الكثير على مرّ العصور. وضمن تحملهم الأسر والنفي والسجون والتعذيب والإساءة، قدموا شهداء عظاما على طريق الحق تعالى .. إن شهداء علماء الدين لم ينحصروا في شهداء النضال والحرب في إيران، إذ أن الكثير من الشهداء المجهولين للحوزات العلمية فقدوا حياتهم غرباء في طريق نشر المعارف والأحكام الإلهية على يد العملاء والخبثاء. وفي كل نهضة وثورة إلهية وشعبية كان علماء الإسلام يقفون في طليعة المواجهة حيث خط على جباههم الدم والشهادة. فاية ثورة شعبية إسلامية لم يقف فيها رجال الحوزة وعلماء الدين في طليعة الشهداء، ولم يصعدوا المشانق ولم تتوسد أجسادهم الطاهرة مذبح الشهادة في
[١] كتب الأحاديث الفقهية الشهيرة الأربعة عبارة عن: (التهذيب) و (الاستبصار) للشيخ الطوسي، و (من لا يحضره الفقيه) للشيخ الصدوق، و (الكافي) للكليني.
[٢] مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء.